عرض مشاركة واحدة
قديم 11-18-2003, 01:54 AM   #1
جمال العطاس
شخصيات هامه
 
الصورة الرمزية جمال العطاس


هواياتي :  الشعر والمواضيع الادبيه
جمال العطاس is on a distinguished road
جمال العطاس غير متواجد حالياً
افتراضي التصوّف المفترى عليه . . . !!!!

التصوّف أو الصوفيّة هذه الكلمة التي أصبح الكثير من العامة ينظرون إليها وكأنها كلمة تعني ( الكفر ) والخروج عن الملة .
لقد تعرضت هذه الكلمة للإفتراء من قبل الكثير ومحاولة إلصاق فيها ماهو ليس منها ومانظرة العامة إلى هذه الكلمة وإلى معناها الذي أُلبِسَ عليها زورا وبهتانا إلا نتيجة لعوامل عدة جعلت من هذه الكلمة تأخذ معنى سيئ في مفاهيم العامة ومحدودي الفهم والمعرفة والإدراك من هذه العوامل مايلي :

لاشك ان أول المفترين على التصوّف هم أولئك المحسوبين عليه الذين تزيوا بزي المتصوّفين الحقيقيين وتظاهروا للناس بأنهم منهم هذه الفئة من المحسوبين على التصوّف لم ينظرون إليه إلا من زوايا نظرهم الضيقة ومفاهيمهم المحدودة , فظنوا ان الصوفي يجب أن يلبس لبسأً خاصا يميّزه عن غيره , وأن ينكب على أرجل الشيوخ ويقبلها وأن يحكي عن كرامات الشيوخ وخوارقهم وإظهار المسكنة والإنكسار أمامهم ظناً منهم أن هذا هو التصوّف فقط وأن كان جزء مما يفعلون يعد من أول مراحل السالك وضرورة لابد منها لتهذيب النفس وإماتت نزعاتها ولجم شهواتها وتجريدها من كل ما ترغبه وتميل إليه .

لكن الملاحظ على الكثير من السالكين في وقتنا هذا خاصة هو الوقوف على هذه الدرجة وعدم تخطيها فتجدهم عند إثارة النقاش معهم في كثيرٍ من المسائل الفقهية تجد أنهم محدودين الفهم وتجد أن محصلتهم من كل سلوكهم طوال فترات زمنية ليست بالقليلة كانت ( الدروشة ) .
وهذا يتنافى مع ماكان عليه أعلام التصوّف من العلم والمعرفة
ناهيك عن أن هؤلاء الأعلام كانوا قدوة في ترقيهم المقامات والأحوال التي تهتم بشؤون القلب وتطهيره وترقيه من مقام لآخر
وفي تهذيب نفوسهم وحرمانها من شهواتها قال أبو يزيد البسطامي :

بعد أن قيل له ما أهون مالقيَته نفسك منك فقال : دعوتها إلى شئ من الطاعات فلم تجبني فمنعتها عن شهواتها سنة كاملة .
قال ايضا : مازلت أسوق نفسي إلى الله تبارك وتعالى وهي تبكي

وقال الزامل في كتابه المكاشفات الروحانية صفحه31 مايلي :

( ومتى ماوصل اليقين إلى القلب إمتلاء نورا , وأشرقت أنواره وانتفت عنه الشكوك والظنون والأوهام , فامتلاء محبة لله والإنابة إليه , وأضحى مابين الرجاء والخوف , فمن كان محباً للدنيا أو مصرّاً على هواه لم يتحقق به وقد يتحقق بسائر العلوم , وأقل عقوبة لمن ينكره أنه لايذوق شيئاً منه , وهو علم الصدّيقين والمقرّبين )
انتهى كلام الزامل ...

وفي ذلك قيل في الرشفات :

[poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="" bkimage="http://www.alshibami.net/saqifa//backgrounds/6.gif" border="groove,4,seagreen" type=0 line=200% align=center use=sp char="" num="0,black"]
ومن يكن بكل علمٍ عالم=ولم يذقها فهو ساهٍ نائم
فخف عليه مايخاف الهائم=عند كفاح الموت والأهوالِ

[/poet]

ركون هذه الفئة إلى هذا الحال والوقوف عند هذه الدرجة أضر كثير بالتصوّف كفكر فجعله يبدو مجردا من كل علم في نظر الكثير من الذين يجدون في أنفسهم شيئا عن التصوّف . هذا كله من وجهة نظر شخصية يرجع إلى إنحسار دور الشيوخ لظروف إجتماعية وسياسية
إقتضت أن يتوارى هؤلاء الشيوخ الكرام عن أنظار الفسقة والمنحرفين وقاصرين الفهم من أهل زماننا هذا والذين ليس لهم هم إلا الإعتراض دون علم ودراية . وإلا فهؤلاء الشيوخ موجودين ويمكن للباحث عنهم أن يلقاهم إذا ما صدق مع نفسه في البحث عنهم
وفي ذلك يقول الإمام عبدالرحمن بلفقيه رحمه الله في الرشفات :

[poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="" bkimage="http://www.alshibami.net/saqifa//backgrounds/6.gif" border="groove,4,seagreen" type=0 line=200% align=center use=sp char="" num="0,black"]
يقول قومٌ عن هداهم ضلّوا=قد عدموا في عصرنا وقلّوا
فقل لهم كلا ولكن جلّوا=عن أن تراهم أعين الجهالِ
* * *
فكيف يخلو عالم الشهاده =منهم وهم فيه الهداة القاده
قد حفظ الله بهم عباده=وصانهم في سائر الأحوال

[/poet]

ولكن الظروف الآن تغيرت فيجب على هذه الفئة إظهار التصوّف بمظهره الصحيح وسيترتب على ذلك أنهم سيجدون من يشن الحروب عليهم بلا هوادة وسيجدون أيضا من يحاول أن يحد من ظهورهم ويحاول تشويه هذا المسلك الشريف الراقي _ كما هو حاصل الآن _ بل ربما ستكون المواجهة والتصدي أكبر وأشرس من ذي قبل . فعليهم أن يتزحزحوا عن هذه الدرجة وأن يحاولون أخذ العلوم من شيوخهم والتسلّح بها ليس للمباهاة والتعالي والإفتخار ولكن لهداية العالم والأمة وتبصير العوام وإرشادهم إلى سبل النجاة وتحريض الأمة على الإنعتاق من قيود الدنيا والتحلل من رقها ومن ميول نفوس العامة إلى دنياهم التي شغلتهم كثيرا .

خصوصا بعد الفشل الذريع الذي لحق ببعض الطوائف التي تدّعي أنها سائرة على نهج الإستقامة والهدى وهي في الأصل غارقة في أوحال الدنيا وفي منح أهل الرياسات الدنيوية . مع العلم ان هناك من يعرف تماما عن فكر القوم وماهم عليه ولكن التسليم به لايخدم أهدافه الدنيوية وفي ذلك ماقاله الإمام البوصيري رحمه الله :

[poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="" bkimage="http://www.alshibami.net/saqifa//backgrounds/3.gif" border="groove,4,purple" type=0 line=200% align=center use=sp char="" num="0,black"]
لاتعجبن لحسودٍ راح ينكرها= تجاهلاً وهو عين الحاذق الفهمِ
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ=وينكر الفم طعم الماء من سقمِ

[/poet]

فالتصوّف الحقيقي هو الفكر الذي يردع النفس والقلب عن الميول إلى بهرجة الدنيا وجمع حطامها وهو يُعنى بأن تكون الدنيا في الأيدي وليست في القلوب على عكس الأدعياء من غير أهل التصوف الذين جعلوا هذه الدنيا في قلوبهم وتظاهروا للأمة بأنهم أهل الهدى . علماً أن الأمة الآن عرفت من هو الذي يجب أن يقتدى به ومن هو الذي يجب أن يُنبَذ ويترك وذلك لسقوط دعاويه وانكشاف تناقضاته .

ومن أسباب تعرض كلمة التصوّف أيضا هو _ في نظري _ أن بعض النصوص التي وردت عن هذه الكلمة من بعض سابقي علماء الأمة وليس كلهم لم تكن تلك النصوص واضحة وصريحة في شرح معنى التصوّف بالطريقة التي شرحها البعض منهم وهذا هو فهم اولئك في هذا الفكر مما جعل ( التصوّف ) كفكر وكأنها مسألة خلافية كبعض مسائل الدين التي عليها خلاف واضح .

كما أن بدايات علم التصوّف كان محاطاً بالكثير من الخصوصية
وينحصر في شريحة معينة وذلك لما يقتضيه هذا الفكر في تلك المرحلة من عدم إنتشاره ولكن هذا الفكر بدأ في التخلّي عن محدودية إنتشاره شيئا يسيرا في أوائل القرن الثالث الهجري على ماأظن .

هذا كله ترك مساحة لمخالفي هذا الفكر أن ينظّمون البرامج والحملات التي تستهدف تشويهه .. وبدأ مخالفيه بأظهار أعلام التصوّف بأنهم زمرة من الزنادقة , وحاولوا منذ القدم إلصاق كل منطق غريب أو قول إلحادي في بعض من أعلام التصوّف .

وهذا يرجع لعدم القدرة على فهم ماعند القوم بدقة متناهية مما دفع المخالفين لهذا الفكر لمواراة عجز فهمهم في مايقول القوم ومحاولة
إظهار مايقولونه للعامة بأن ذلك من قول الزنادقة فقيل عن ( الحلاج ) ماقيل وقيل عن ( محيي الدين ابن عربي ) ماقيل . وقد أخذ المخالفين على هؤلاء أقوال لهم قيلت في حالات ( الشطح ) وقد فسر الكثير من العلماء حالة الشطح هذه بما يغني ويفيد ولكن المخالفين لم يتقبلوا ذلك التفسير حتى من العلماء الغير محسوبين على التصوّف إطلاقاً .

فالشطح هو عبارة مستغربة في وصف وجدٍ فاض بقوته , وهاج بشدة غليانه وغلبته ، ولابد أن يكون صاحبه مستلباً محفوظاً ,
فيتكلم الشاطح بعبارات وهو في حالة فناء كلي عن ذاته . ومن هنا فهم البعض فهما أن ذلك ( حلولأ أو إتحاداً ) معاذ الله عن ذلك .

ولاننسى ان شدة الشطح وغلبة الوجد تُرغم البعض على الإفصاح,
وهناك تعريفات كثيرة للشطح ليس المجال هنا لذكرها وربما سيأتي مقام آخر لذكرها والإستفاضة فيها .

ولذلك ورد كثيرا من النهي في قراءة بعض كتب أئمة التصوف من قبل الذين لم يتعمقون في الفهم والإحاطة بمدلولات مايقصد هؤلاء القوم . ولكن عندما وقعت هذه المؤلفات بين ايدي قاصرين الفهم ,
ظهر تكفير أئمة التصوّف من البعض وبعضهم نسبهم إلى العصيان
أكثر منه إلى الكقر وذلك نتيجة التسرّع وعدم التريث في قراءة ماكتبه القوم ولكن من قرأ ماكتبوه أئمة التصوف بروية وهدوء
دون هوى ودون سوء ظن وجد لها معان أخر .

ومن ذلك ماقاله الإمام السيوطي رحمه الله عند كلامه عن الشيخ محيي الدين ابن عربي فقد قال :
( والقول عندنا فيه إعتقاد ولايته , ونهي قراءة ومطالعة كتبه )
هذا ماقاله حرفيا الإمام السيوطي .

فلماذا نهى عن مطالعة مايقول مع الإعتقاد بولاية الرجل ؟؟
إنما ذلك النهي لقاصري الفهم . ولكن المخالفين يرفضون أن يُتَهمون بالقصور في أفهامهم . من ذلك ذهبوا إلى محاربة ماقاله هو وغيره وجعلوا يقولون أن مايقوله هو من قبيل الكفر والزندقة لكي يثبتون أنهم على فهم ودراية ( بالشريعة ) ولكنهم دلّوا بذلك على عدم معرفتهم ( بالحقيقة ) .

لذلك كله ونتيجة لهذا التشويه المتعمّد للتصوّف أخذت كلمة ( تصوّف ) هذا المعنى المشين عند ذوي الأفهام السقيمة وعند أصحاب الضحالة وعدم الإدراك . فتجد أحدهم يتكلّم ببذاءة عن ابن عربي مثلا أو عن الجيلاني وهو لايعرف إسمه واين مدفون وأين عاش وفي أي عصرٍ عاش ومن صَحِب . ناهيك عن ماقيل عنه . فهذه النماذج من العوام إنما تأثروا بأقوال من هاجموا هذا الفكر اما لعدم تعمقهم في فهمه أو لمحاولة الإساءة لهذا الفكر رغم علمهم به كونه لايخدم أهدافهم ومطامعهم الدنيوية.

نحن الآن في عصر العلم وتوفر المعلومة بأسهل الطرق فيجب على الشباب أن لايتقبلون مايقال لهم وأن يكون هناك تدقيق وتحقيق فيما يقال . وليكن الحوار الهادئ هو الأسلوب الأمثل للبحث عن الحقائق
وليس التعصّب والجهل والتسليم بما يقال ويكتب ...!!!!
التوقيع :
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

التعديل الأخير تم بواسطة جمال العطاس ; 11-18-2003 الساعة 02:14 AM
  رد مع اقتباس