عرض مشاركة واحدة
قديم 06-19-2012, 01:49 AM   #9
حد من الوادي
مشرف سقيفة الأخبار السياسيه

افتراضي


الحضارمة ودورهم في تنمية وتحديث عدن والجنوب العربي من عام 1888م إلى عام 1990م

6/18/2012 المكلا اليوم / كتب: الدكتور/عبد الله سعيد باحاج

في صباح الأربعاء 11 إبريل 2012م وصلت إلى تريم عاصمة حضرموت الثقافية والحضارية ، بداية نقول... إننا قد قسمنا موضوع المحاضرة إلى ثلاثة محاور هي:
أولاً: إطلالة حول علاقة حضرموت بكل من عدن والجنوب العربي في عصور ما قبل الحماية البريطانية لحضرموت في عام 1888م.


ثانياً: تنامي الأهمية الاقتصادية والسياسية لعدن وأثره في جذب الحضارمة إليها منذ عام 1888م إلى عام 1967م.
ثالثاً: الدور الفاعل للحضارمة في النهضة والتحديث في عدن والجنوب العربي من عام 1888م إلى عام 1990م. وعن المحور الأول... والذي يتناول شيئاً عن علاقة حضرموت بعدن والجنوب العربي في مرحلة ما قبل الحماية البريطانية لحضرموت والتي وقعت عام 1888م فإننا نقول ما يلي:


أحدى إستعراضات جيش الليوي في الشارع الرئيسي في المعلا عام 1963م

رغم أن منطقة عدن وبقية الأراضي المجاورة لها في الجنوب العربي لم تكن يوماً ما جزءاً من الكيان الحضرمي المعروف في الأزمنة القديمة سياسياً أو حضارياً، إلا أن العلاقات التجارية والبشرية بينهما لم تنقطع عبر التاريخ، وذلك بحكم الجوار الجغرافي بينهما، ومنذ أن عرف الحضارمة بنشاطهم التجاري الواسع في بحر العرب وخليج عدن وسواحل المحيط الهندي الأفريقية والآسيوية وحيث جعلوا الحضارمة بنشاطهم هذا من ذلك المحيط بحيرة حضرمية.

وقد كان الحضارمة في هذا النشاط التجاري البحري يعتمدون على موانئهم المعروفة والمطلة على بحر العرب ومنها (قناء) أو بير علي الحالية ثم (الإسعاء) أي الشحر حالياً، بالإضافة إلى موانئ أخرى أصغر في كل من المشقاص والمهرة وظفار، ومنها شرمه، ثم خلفة التي تقع على ساحل مدينة الديس الشرقية وكذلك موانئ قصيعر وحيريج القريبة من سيحوت بمصب وادي المسيلة ثم ميناء خورروري المجاور لصلالة بسلطنة عُمان حالياً.

وكانت السفن الحضرمية تصل إلى ميناء عدن محملة بالمنتجات الحضرمية من البخور واللبان وغيرها، وكذلك محملة بسلع أخرى مجلوبة من مناطق متعددة. كما إن قوافل التجارة الحضرمية كانت تصل إلى أراضي أبين ولحج ومنها إلى عدن أو إلى تعز وصنعاء وأراضي تهامة والحجاز، ثم إلى بلاد الشام وما بعدها.

وقد عرف أهل عدن وبقية سكان الجنوب العربي الحضارمة من خلال هذا النشاط التجاري البحري والبري الذي تميزوا به عبر قرون طويلة من الزمن.

حدائق الشيخ عثمان وجمالها في تلك الحقبة التاريخية لعدن

ولا شك أن أفراداً وربما جماعات من الحضارمة التي قدمت إلى عدن والجنوب العربي بقصد التجارة قد استقرت فيهما وخصوصاً بعد إن لاحظ التجار الحضارمة الأهمية التجارية لميناء عدن ومدى هيمنته على جزء كبير من النشاط التجاري البحري والبري في الركن الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية، وما يتمتع به ميناء عدن هذا من خصائص جغرافية طبيعية فريدة، وكذلك مجاورته للأراضي الزراعية الخصبة في أراضي تعز، واقترابه من باب المندب ومن الساحل الشمالي للصومال والقرن الأفريقي.

وأصبح ميناء عدن بذلك يمثل نقطة محورية وتجارية هامة تخدم منطقة واسعة تشمل جنوب الجزيرة العربية والقرن الأفريقي وامتداده إلى شرق إفريقيا، بل وإلى شواطئ بشبه القارة الهندية.

ولعل هذا و مع أسباب أخرى كانت مقنعة و مرغبّة لبعض الحضارمة في الاستقرار في عدن والأراضي المجاورة لها فيما عرف بأراضي الجنوب العربي، وخاصة أراضي أبين ولحج ويافع وغيرها، وهي مناطق لا تبعد كثيراً عن عدن. وبهذا تكونت جاليات حضرمية في هذا المناطق منذ عصور ما قبل ظهور الإسلام وحتى بعد ظهوره.

ولا شك أن هذه الجاليات الحضرمية في عدن وبقية أراضي الجنوب العربي قد نقلت الكثير من سمات وخصائص الحضارة الحضرمية إليها.
كما أن هذه الجاليات الحضرمية قد استفادت مما كان لدى سكان عدن والجنوب العربي من مزايا وإيجابيات.
أما عن المحور الثاني... وهو عن تنامي الأهمية الاقتصادية والسياسية لعدن وأثره في جذب الحضارمة إليها منذ عام 1888م إلى عام 1967م فنقول الآتي:

عدن الصغرى ومنظر الغروب فيها أيام العز الجميلة

بعد إن احتل البريطانيون ميناء عدن في عام 1839م والذي كان ضمن أراضي سلطنة العبدلي في لحج أخذت السياسة البريطانية تسعى إلى التوسع في أراضي جنوب الجزيرة العربية شمالاً نحو لحج وما جاورها، وغرباً نحو أراضي الصبيحة وما جاورها ووصولاً إلى مضيق باب المندب، وشرقاً نحو أبين وما جاورها وما بعدها ووصولاً إلى أراضي حضرموت، و حيث استطاع الإنجليز إن يعقدوا معاهدات حماية مع سلاطين وحكام هذه المناطق، ومنها معاهدة الحماية التي وقعتها بريطانيا في عام 1888م مع السلطان عوض بن عمر القعيطي في حضرموت، وهي المعاهدة التي اعتمدها وصادق عليها السلطان منصور بن غالب الكثيري في عام 1918م.

وبهذا أصبحت حضرموت برمتها ساحلاً ووادياً تحت الحماية البريطانية. و لا شك أن الإدارة البريطانية في عدن كانت هي بالفعل مصدر السلطات - بعد لندن - في توجيه السياسية البريطانية في حضرموت وكغيرها من المحميات البريطانية الشرقية أو الغربية في جنوب الجزيرة العربية. وهذا ما ساهم في تسهيل نقل البشر والأموال والأفكار والأعمال بين حضرموت وعدن. وقد تزايدت أهمية عدن بالنسبة لحضرموت وجنوب الجزيرة العربية في عام 1937م عندما أصبحت عدن حينها مقراً للقيادة البريطانية في الشرق الأوسط بدلاً عن البحرين، مما ساهم في جعل عدن نقطة تجارية هامة في مجال التجارة العالمية بين الشرق والغرب، وبالتالي ازدادت أهمية عدن التجارية في نظر الحضارمة، فأقبلوا عليها وحداناً وزرافات من التجار ومن غير التجار، واستقر البعض منهم فيها وكونوا بذلك جاليات حضرمية حديثة تعرف حضرميتها من خلال أسماء العائلات والتي حافظوا عليها كدلالة على عمق الانتماء إلى وطنهم حضرموت. وكانت مدينة عدن بأحيائها السكنية وأسواقها وحوانيتها تعج بالكثير من الأسماء الحضرمية.

منظر ليلي بديع للشارع الرئيسي في المعلا عام 1962م

ولا شك أن للازدهار الملحوظ الذي شهده ميناء الشحر في خدمة التجارة الحضرمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أثره في حركة التجارة الحضرمية نحو عدن وغيرها، وحيث كان هذا الازدهار الذي شهده ميناء الشحر حينها نتيجة مباشرة لما شهدته أراضي حضرموت من استقرار في أوضاعها الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومن ذلك شق الطريق البري الرابط بين تريم والشحر لخدمة حركة النقل بالسيارات والذي موّل بمساعدة آل الكاف وتعاون كل من سلطاني حضرموت القعيطي والكثيري وهو الطريق المعروف بالطريق الشرقية.

ولعله في هذه المرحلة وربما قبل ذلك أصبح كل حضرمي يفد إلى عدن يعرّف بأنه (شحاري) نسبة إلى مدينة الشحر، حتى وإن كان من أبناء مناطق أخرى في حضرموت. والمهم أنه كان لهؤلاء الوافدين من الحضارمة إلى عدن وما جاورها من أراضي الجنوب العربي الدور الملحوظ في تنميتها وتحديثها وهو ما سنتناول ملامح واضحة منه في الصفحات القادمة إن شاء الله.

ولا بد لنا إن نشير إلى انه خلال هذه المرحلة التي سبقت الاستقلال في عام 1967م اعتمد النشاط التجاري في كل من مينائي المكلا والشحر على الخدمات والتسهيلات الجيدة التي كان يقدمها ميناء عدن آنذاك.

محطة بترول شركة بي بي ونُشاهد في الخلق عمارة الأدهل في التواهي

كما أن وجود المجموعات التجارية الحضرمية الفاعلة في عدن قد ساعد على تنامي النشاط التجاري بين عدن وهذين المينائين الحضرميين. والمعروف أن ميناء عدن كان يصنف في منتصف ستينات القرن الماضي بأنه ثالث أكبر ميناء في العالم من حيث حركة السفن المتعاملة معه بعد كل من لندن و نيويورك بل كان ميناء عدن حينها يفوق في هذه الحركة موانئ عالمية أخرى مثل ليفربول في بريطانيا وملبورن في استراليا، وحيث وصل عدد السفن المتعاملة مع ميناء عدن حينها إلى حوالي سبعة آلاف سفينة سنوياً.

و بعد إغلاق قناة السويس في 5 يونيو 1967م نتيجة لعدوان إسرائيل على مصر حينها انخفضت كفاءة وقدرات ميناء عدن إلى ما دون (10%) عما كانت عليه في السابق، حيث لم يزد عدد السفن الداخلة إلى ميناء عدن خلال عام 1967م عن (600) سفينة وهو ما ترك أثراً سلبياً على حركة التجارة بين عدن وموانئ حضرموت. وللمزيد حول الأهمية التجارية والسياسية والحضارية لعدن انظر كتابنا الصادر في عام 1996م بعنوان (ميناء عدن: دراسة في جغرافية الموانئ منذ النشأة حتى عام 1980م).

أما عن المحور الثالث... والذي يتناول الدور الفاعل للحضارمة في النهضة والتحديث في عدن والجنوب العربي منذ الحماية البريطانية لحضرموت في 1888م وحتى إعلان الوحدة وقيام الجمهورية اليمنية في عام 1990م فإننا نشير إلى بصمات ولمحات من هذا الدور لأنه من الصعب أن لم يكن من المستحيل تناول هذا الدور بكل أبعاده وزواياه.

ويكفي في هذا أن نشير بداية أنه منذ إن عرف الحضارمة الاستقرار في عدن وفي بقية أراضي الجنوب العربي منذ عهود بعيدة في الزمن وهم حملة لمشاعل النور والخير والنماء والازدهار ولم يعرف عن الحضارمة في استقرارهم في هذه المناطق بل وفي جميع المهاجر التي عرفوها وعبر التاريخ إلا أنهم بناة للحضارة ودعائم للاستقرار والازدهار، ولم يكونوا مصدر فتنة أو فوضى أو شقاء على الشعوب والأمم التي يفدون عليها ورغم أنه لا توجد لدينا - حالياً - منظومة متكاملة من المعلومات الموثقة عن الحضارمة الذين أسهموا في نهضة وتحديث عدن والجنوب العربي خلال العهود القديمة أي إلى ما قبل قرنين من الزمن، إلا أننا نكاد نجزم أن الوجود الحضرمي الملحوظ في عدن وبقية أراضي الجنوب العربي بغرض التجارة أو الاستقرار كان له بصمات ايجابية على المجتمع العدني ومجتمع الجنوب العربي بوجه عام.
ولذلك فإننا سنتناول هذه البصمات الإيجابية للحضارمة على النحو التالي:

أحدى محلات التصوير الجميلة في التواهي أيام الزمن الجميل
1. في المجال العلمي والفكري والثقافي والديني:

حيث يزخر هذا المجال وبما يتسم به من حيوية ونشاط بأسماء حضرمية لامعة وكان لها السبق والريادة. وقد استلهم البعض منهم ما قام به الأجداد الحضارمة من دور علمي وتنويري في عدن والجنوب العربي عامة. ومن ذلك ما قام به من جهد الطيب بن عبد الله بن أحمد بامخرمة وهو فقيه ومؤرخ وقد شغل القضاء في عام 1528م (934هـ) - وله عدة مؤلفات هامة ومن بينها (تاريخ ثغر عدن)، والذي وثّق فيه لمرحلة هامة من تاريخ عدن، بل ومن تاريخ جنوب الجزيرة العربية، و خصوصاً أثناء الغزو البرتغالي لعدن وحضرموت. قد عاش في عدن وتوفي بها عام 1540م.

ومنذ حوالي قرنين أو ثلاثة قدم إلى عدن أحد أبناء حضرموت وباشر دوره في التوجيه والإرشاد والتنوير بأمور الدنيا والدين وهو السيد أبوبكر عبد الله العيدروس صاحب الجامع الشهير بحي العيدروس في مدينة عدن القديمة (كريتر). ويضاف إليه بقية السادة والمشائخ من آل باوزير وغيرهم من الحضارمة الذين وفدوا على عدن كرجال علم ودعوة وإصلاح وإرشاد ديني.

الشارع الرئيسي تاريخ صنعه الأجداد وصرح دمرته الأجيال

ولا شك إن الأسماء الحضرمية في المجال العلمي والثقافي والإعلامي تشير إلى مكانة هؤلاء، ومنهم من أستطاع إن ينشر رسالته العلمية أو الفكرية أو الثقافية من خلال ما أسسه من مؤسسات خاصة به مثل دار (الأيام) الصحفية لآل باشراحيل. وكذلك ما كان يقوم به البعض من ممارسة للكتابة أو الإبداع في الصحف والكتب مثل آل باذيب و آل باوزير وغيرهم من الكتاب والمفكرين. وكذلك هناك مجموعة تحظى بالاحترام والتقدير من المحامين والقضاة وأساتذة الجامعة والأدباء والمفكرين والمثقفين والإعلاميين وغيرهم مما كان لهم الدور في إنارة الطريق للآخرين. ومن هؤلاء ممن كانت له مكانة مرموقة في المجال الذي كان يعمل به و من خلال عمله هذا كان يساهم بإيجابية في تنمية وتحديث مجتمع عدن والجنوب العربي عامة.

وعلى سبيل الإشارة فإن مساهمة الحضارمة في النهضة التعليمية في عدن وبقية أراضي الجنوب العربي تتجلى من خلال الكوادر الحضرمية المؤهلة والتي تحملت دوراً كبيراً في هذه النهضة، وبكل المستويات بداية من أول وزير للتربية والتعليم في اليمن الجنوبي بعد الاستقلال وهو الأستاذ محمد عبد القادر بافقيه، ومروراً بأول أمين عام لكلية التربية العليا في عدن منذ نشأتها في عام 1970م وهو الأستاذ حسين سالم العطاس. وكما هو معروف فإن هذه الكلية كانت نواة لجامعة عدن التي نشأت عام 1971م، وحيث اختص الحضارمة بتولي رئاسة هذه الجامعة منذ نشأتها ولأكثر من ثلاثة عقود من الزمن، فكان أول رئيس لجامعة عدن هو د. سالم عمر بكير ثم تلاه د. سعيد عبد الخير النوبان،

ثم د. محمد سعيد العمودي ثم أخيراً د. صالح علي باصرة. والذي شهدت جامعة عدن في أيامه نقلة نوعية مهمة، من خلال إنشاء (دار جامعة عدن للطباعة والنشر). وذلك في عام 1998م، مما ساهم في طباعة ونشر كثير من المؤلفات والأبحاث الخاصة بحضرموت ومنطقة الجنوب العربي عامة. وقد ضمت جامعة عدن هذه العديد من الكوادر الحضرمية المؤهلة علمياً وإدارياً.

شارع البنوك بعيداً عن العشوائية والفوضى الموجودة اليوم

وكان للبعض منهم دراسات مرموقة ومقدّرة خارجياً ومنهم الدكتور سعيد عبد الله باعنقود في مجال الزراعة وغيره. ولا شك إن العديد من هذه الكوادر العلمية الحضرمية بجامعة عدن قد أسهمت بأبحاثها ودراساتها عن عدن ومنطقة الجنوب العربي بدفع وتيرة التنمية المعرفية عنها. كما إن عدد من هذه الكوادر بجامعة عدن قد تبرع بما لديه من مقتنيات من كتب ومطبوعات ومخطوطات لمكتبات جامعة عدن لخدمة البحث العلمي فيها، وحيث يوجد اليوم في المكتبة العامة بكلية الآداب بجامعة عدن جناح باسم الأستاذ المرحوم أحمد سعيد باحاج مدرس الجغرافيا بهذه الكلية، وحيث يحوي هذا الجناح كل ما كان يحتفظ به في حياته وفي مكتبته الخاصة في منزله من كتب ومطبوعات ومخطوطات وخرائط نادرة. وهي خطوة نبيلة من ورثة المرحوم تؤكد عمق الاتصال والتواصل بين حضرموت وعدن وبقية مناطق الجنوب العربي.

ورغم الحضور الملفت للحضارمة في المنتديات والملتقيات الفكرية والثقافية في عدن ومشاركتهم مع إخوتهم من أبناء عدن في ذلك إلا إن للحضارمة منتدياتهم الثقافية والاجتماعية الخاصة بهم، و من ذلك (الجمعية الحضرمية في عدن) والتي تأسست في مرحلة ما قبل الاستقلال عام 1967م، ثم تراجع دورها بعد الاستقلال، وعادت مرة أخرى تنشط في أداء رسالتها الثقافية والاجتماعية ومعبرة عن الهوية الحضرمية ومناقشة قضايا حضرموت بل وقضايا عدن وبقية أراضي الجنوب العربي. ويرأس هذه الجمعية الحضرمية في عدن حالياً الأستاذ عوض باجرش.

ورغم الحضـور الملفت للحضارمة في المنتديات الثقافية في عدن إلا إن موقفهم من القات والذي عادة ما يسود هذه المنتديات لم يتغير فهم - أي الحضارمة - يرفضون القات جملة و تفصيلاً ولا يرون فيه إلا كل شر وضر. وحتى القلة القليلة من الحضارم ممن يتعاطـون القات تـبرر ذلك بأنه لزوم المشاركة في هذه المنتديات، ولا يعبر عن قناعة بفائدته، بل هم على قناعة تامة بأضراره الخطيرة ويتمنون الخلاص منه عاجلاً لا آجلاً.

وكما هو الموقف الرافض للحضرمية من القات والامتناع بأكثرية عن تعاطيه، كذلك هو الموقف من المسكرات، حيث يرفض غالبية الحضارمة في عدن شرب الكحوليات والمسكرات. ولا شك إن لذلك الموقف الرافض للقات والكحوليات أثره الكبير في نقل رسالة نبيلة تعبر عن خصوصية من خصوصيات الهوية الحضرمية و يساهم في رفع المستوى الاجتماعي في مجتمع عدن والجنوب العربي.

جولة التقاطع بين المعلا وعدن وخورمكسر كما كانت تبدو قديماً.
2. في مجال المال والأعمال والتجارة والاقتصاد:

لقد عرف الحضارمة بنشاطهم التجاري الجيد عبر التاريخ نظراً لاتصافهم بصفة الأمانة والصدق في تعاملاتهم التجارية وغير التجارية. هذا مما ساعدهم على تكوين مؤسسات تجارية ناجحة في مناطق عديدة من العالم، ومنها عدن والجنوب العربي.

وفي العصر الحديث برزت أسماء حضرمية من أهالي شبام والشحر ودوعن وغيرها في المجال التجاري. ومنهم على سبيل الذكر لا الحصر آل شماخ من شبام و آل بديه و آل عدلان و آل مهدمي و آل باجرش من الشحر و آل باعبيد و آل باسويد و آل باشنفر و آل بازرعة و آل العمودي من دوعن وغيرهم. ويوجد في مدينة كريتر شارع باسم (شارع الحضارم) وحيث كانت تنتشر فيه حوانيت ومحلات الحضارمة بجوار سوق الطعام.

3. في مجال السياسة والإدارة:

لعل الأسماء الحضرمية في مجال السياسة محدودة بالقياس إلى كثرتها الملحوظة في مجال الإدارة فقد عرف الحضارمة أهمية الإدارة من حيث كونها لازمة لرعاية شؤونهم التجارية رعاية سليمة وبشقيها المحاسبي المالي والإداري البحت ولذلك برع الحضارمة في الشؤون الإدارية لما يتطلبه هذا المجال من الاحترام للقانون وتمسك بالحقوق والواجبات المحددة سلفاً وهو في واقع الأمر ركيزة من ركائز شخصيتهم وهويتهم الحضارية عبر العصور ولذلك نجد أن معظم المؤسسات التجارية للحضارمة والتي هي مؤسسات قطاع خاص تكون تحت إدارتهم مباشرة أو تكون تحت إدارة من يثقون فيهم مما يجعلها في النهاية ناجحة بوجه عام بل أن الحضارمة عندما يتولون مسؤولية إدارة مؤسسات تجارية أو غير تجارية لغيرهم تكون غالباً ناجحة وهذه صفة إيجابية للحضارمة يعتزون بها كثيراً.

سينما شهيناز في خورمكسر في ستينيات القرن الماضي الجميل

أما في القطاع العام والحكومي فقد عرف الحضارمة بأنهم من أمهر الإداريين في تصريف شؤون البلاد والعباد وخصوصاً إذا ما أتيحت لهم الحرية الفعلية في اتخاذ القرارات ووضعت ضوابط المحاسبة موضع التنفيذ وما يعنيه ذلك من عقاب وثواب وتقدير حسن للجهود الطيبة المبذولة في العمل.

ولم يعد غريبا القول بان الدولة القعيطية وما كانت تحويه من كوادر إدارية عالية المستوى والشفافية والنزاهة كانت نموذجا في شؤونها الإدارية والمالية خلال فترة حكمها وخاصة من عام 1936م إلى عام 1967م ودون استبعاد حالات استثنائية من الاختلال هنا وهناك كما أن دولة الاستقلال من عام 1967م إلى عام 1990م قد اعتمدت على النظام الإداري والمالي في الدولة القعيطية وفي جوانب كثيرة منه بل إن دولة الاستقلال هذه قد اعتمدت على كثير من الكوادر الإدارية الحضرمية لإدارة الشؤون المالية والإدارية لليمن الديمقراطية والأسماء في ذلك كثيرة لا يمكن حصرها ويكفي أن نشير أن أول وزير للمالية في اليمن الجنوبي هو الأستاذ محمد محفوظ باحشوان وأول وزير للاقتصاد والتخطيط التنموي كان الدكتور محمد عمر الحبشي ثم برز اسم الدكتور فرج سعيد بن غانم كوزير للتخطيط في حقبة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي أما المجال النقدي والمصرفي فقد تولى محمد حسن بازرعة رئاسة مؤسسة النقد للجنوب العربي عند ظهورها عام 1964م هو بمثابة محافظ للبنك المركزي في الجنوب العربي وقد كان للحضارمة الدور الملحوظ في حسن إدارة الشؤون المصرفية في البنوك العامة والخاصة خلال فترة حكم (اتحاد الجنوب العربي) من عام 1959م إلى عام 1967م وكذلك فترة حكم اليمن الديمقراطية من عام 1967م إلى عام1990م.

لنتمتع ونطلق لأنفسنا العنان لنرى التواهي وجمالها البديع

أما في مجال العمل السياسي وما يرتبط به من عمل حزبي أو نقابي فقد كانت الأسماء الحضرمية قليلة وخصوصا في فترة ما قبل الاستقلال ومن هؤلاء زين عبده باهارون والذي كان رئيسا لوزراء اتحاد الجنوب العربي وشيخان الحبشي أمين عام (رابطة أبناء الجنوب العربي) ومحمد باشرّين أمين عام مساعد للمؤتمر العالمي في عدن وعبد الله عبد الرزاق باذيب من مؤسسي حزب الشعب الاشتراكي في عدن أو حزب الطليعة فيما بعد ثم علي سالم البيض وهو من مؤسسي (الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل) ومحمد سالم باسندوة من قيادات (جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل) وغيرهم وفي دولة الاستقلال برز اسم حيدر أبوبكر العطاس كأول رئيس وزراء حضرمي لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وذلك في عام 1985م وبعد حوالي عشرين عاما من الاستقلال لم يتول خلالها أي حضرمي مسؤولية قيادية عليا في اليمن الديمقراطية نظرا لعزوف الحضارمة عن الاهتمام بالشؤون السياسية وكذلك نتيجة لسعي وربما إصرار بعض المجموعات السكانية في المناطق الغربية من اليمن الديمقراطية في إبقاء المناصب القيادية العليا في أيديهم وأبعاد الحضارمة عنهم نظرا لمعرفتهم المسبقة أن الحضارمة غالبا لن يكونوا في النهاية إلا حضارمة من حيث الصدق والأمانة والإخلاص لشعبهم وللمسؤولية التي أنيطت بهم وفي الأخير لا يخفى علينا الدور الذي قام به علي سالم البيض وبجذوره الحضرمية في تحقيق الوحدة وقيام الجمهورية اليمنية وبصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع هذه الخطوة التي تمت في 22 مايو 1990م.

شاطئ صيرة ... قصة ذلك الصياد الذي عبر
4. في مجال الآداب والفنون عامة:

من الأسماء الحضرمية التي ظهرت في عدن في مجال الأدب وخصوصا كتابة القصة القصيرة برز اسم حسين سالم باصديق وكذلك اسم عبد الله سالم باوزير وغيره وفي مجال الموسيقى والغناء برز اسم أبوبكر سالم بلفقيه والذي عاش فترة من حياته في عدن وكذلك اسم أحمد بن غودل وغيره وفي مجال الرسم والنحت برز اسم علي غداف وعبد القادر سعيد حداد وغيرهما كثير مما يصعب حصرهم هذه الأيام مع انتشار السكان وتوزع الحضارمة ليس في عدن فقط وإنما في بقاع كثيرة من العالم الواسع.

واليوم نجد أنه قلما تخلوا عائلة في حضرموت من فرد أو أكثر ممن يتصلون بها في صلة القرابة القريبة أو البعيدة ممن أصبح من ساكني عدن وبقية أراضي الجنوب العربي وهذا يعزز القول بأن حضرموت بقدر ما أعطت من دماء وانسال وأجيال كثيرة من أبنائها الذين استقروا في عدن وما حولها فإنها كذلك أعطت من روحها ومن خصائصها الحضارية الأصيلة الكثير إلى هذه المنطقة وخصوصا عدن والتي أصبحت بحق نافذة حضارية تطل منها حضرموت على العالم بأسره.
dr.abdullah-bahaj@hotmail.com
حديث الصورة الرئيسية : صورة نادرة لشارع الميدان ومقهاية زكو في الخمسينات
التوقيع :

عندما يكون السكوت من ذهب
قالوا سكت وقد خوصمت؟ قلت لهم ... إن الجواب لباب الشر مفتاح
والصمت عن جاهل أو أحمق شرف ... وفيه أيضا لصون العرض إصلاح
أما ترى الأسد تخشى وهي صامتة ... والكلب يخسى- لعمري- وهو نباح
  رد مع اقتباس