المحضار مرآة عصره (( رياض باشراحيل ))مركز تحميل سقيفة الشباميحملة الشبامي لنصرة الحبيب صلى الله عليه وسلم
مكتبة الشباميسقيفة الشبامي في الفيس بوكقناة تلفزيون الشبامي

العودة   سقيفة الشبامي > الدين والحياه > سقيفة إسلاميات
سقيفة إسلاميات حيث التسجيلات الصوتيه وسير عظماء التاريخ الإسلامي ومبدعيه


(نار العصبية في حضرموت)بحث

سقيفة إسلاميات


إضافة رد
قديم 02-09-2011, 01:34 PM   #1
ابوسعدالنشوندلي
شاعر السقيفه

(نار العصبية في حضرموت)بحث

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نار العصبية في حضرموت
كتبه:
ابوسعدالنشوندلي
















بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة:
الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلقه محمد صلى الله عليه وعلى اله وأصحابه ومن تبعهم إلى بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فانّا لم نعلمْ ناراً اكتوت بما حضرموت في الماضي والحاضر مثل نارالعصبيات ,التي حوّلت المجتمع الواحد والبنيان المرصوص إلى نزاعات وصراعات ,تشمُّ من نتنها عفن التباغض و الاحتقار والازدراء بين المسلمين:.
لمّا تركنا الهدى حّلت بنا نقم ***وهاجَ للظلم والطغيان طوفانُ
وليعلمْ كل من يشحذ سلاح العصبية ويؤجج نارها أنه على طريق الشيطان الرحيم ,فالشيطان هو أول من أطلق شرارة العصبية , ونفخ في نار العنصرية ورفع لواءها ,وذلك عندما أمره الله بالسجود لأبينا آدم المخلوق من الطين فأبى إبليس تكبراً وتعصبًا لجنسه الناري الملتهب ,قال تعالى (( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ{71} فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ{72} فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ{73} إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ{74} قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ{75} قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ{76} قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ{77} وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ{78} قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{79} قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ{80} إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ{81} قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ{82} إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ{83} قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ{84} لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ{85سورة ص ))
فلماذا يجاري بعض المسلمين الشيطان في معصيتة ؟ ويمضي قٌدماً في عصبيته ؟ فهل نسي أن الله أحلَّ عليه غضبه ولعنته ؟
ما بال بعض المسلمين يقرؤون ويتناسون قوله تعالى (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ{13}الحجرات أيه 13
وقوله صلى الله عليه وسلم (يأيها الناس ألاان دينكم واحد وانّ أباكم واحد,ألا لأفضل لعربي على أعجمي ,والالعجمي على عربي ولا لاحمر على اسود ولا اسود على احمر الابالتقوى ))

ورحم الله من قال :
فلا تحسب الإنساب تنجيك من لــظى ولو كنت من قيس وعبد مدان
أبو لهب في النار وهو أبن هاشــــــــم وسلمان في الفردوس من خراسان
وفي حضرموت- كغيرها من البلاد- تعدّدت العصبية وتنوعت اشكالها ,حتى وصلت بالبعض إلى احتقار أصحاب بعض المهن والحرف ,وجهل هؤلاء أنّ بعض الأنبياء -وهم أشرف خلق الله- عملوا في بعض هذه المهن: فزكريا كان نجاراً,وداود كان حدادا يصنع الدروع, وإدريس كان خياطا,ومحمد صلى الله عليه وسلم رعى الغنم على قراريط لأهل مكة, ومع هذا لم ينقصهم ذلك شيئا, بل رفع الله ذكرهم في الدنيا والآخرة, وبعض الناس في حضرموت انحرف مع العصبية شططا, فراح يحتقر صنفا من الناس ويزدريهم, لالشيء إلا لأنه اسود أللون, وتناسى ان الجمال جمال الدين والخلق.
وما أجمل قول القائل :
وليس افتخار المرء حسن ثيابه *** ولكن حسن الفعل يبقى ويذكرُ
ولا فخر في خال وأم ولا أب *** ولا نسب إن لم يكن ثمّ مفخر
بل لعلّ اسود اللون بتقواه أحب إلى الله من مئات من أصحاب البشرة البيضاء !! ويكفي في بلال بن رباح رضي الله عنه مثلاً ,الذي سبقت أقدامه إلى الجنة الكثير من أشراف العرب قال صلى الله عليه وسلم ((أنى سمعت ألليله خشف نعليك بين يدي في الجنة ))
وهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كانت العرب في عهده أكثر من ثلاثين قبيلة ,فلما آخى بينهم أصبحوا أمه واحدة وجسداًُ واحداً
تسمية البحث: .
وقد سمينا هذا البحث المتواضع ((نار العصبية في حضرموت ))
فهي دعوة صادقه نهديها لإخواننا في حضرموت خاصة والمسلمين عامه ,
ان يترّفعوا عن مفهوم العصيبة الضيق سواء لقبيلة أو لحزب أو لمذهب أو لمنطقه ........ وأن يحلّقوا بقلوبهم في سماء الأخوة الايمانيه التي دعا الله إليها وأكدّ عليها رسول الكريم قال تعالى(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ{10}الحجرات -وقال صلى الله عليه وسلم ((ليس منا من دعا إلى عصبيه وليس منا من قاتل على عصبيه وليس منا من مات على عصبيه ))
وقال صلى الله عليه وسلم ((ومن قاتل تحت راية عميّه, يغضب لعصبه أو يدعو إلى عصبه أو ينصر عصبه فقتل فقتله جاهليه ))



دوافع البحث :
حرصاً منا على مجتمعنا كتبنا له خالص حبنا, حتى لا تحوّله هذه العصيبات إلى ركام محترق,
وليس هدفنا من هذا البحث التشهير بأحد اوالهجوم على طائفة والتأليب عليها , أو نكأ الجراح الدفينه , ولكنها النصيحة الصادقة لمجتمعنا , ومن طرق هذا الباب لن يسلم من التهم والأذى فنقولها صريحة لمن أطلق علينا سهامه ,غفر الله لنا ولك وأنت منا في حِل وجعلنا الله جميعاًً أخوة متحابين.

تقسيم البحث :
الفصل الاول :مدخل إلى العصبية قبل الإسلام
ويحتوي على عدة مباحث :
المبحث الاول : تعريف العصبية ومفهومها
المبحث الثاني : العصبية الجاهلية عند العرب
المبحث الثالث : العصبية عند الأمم الأخرى .
الفصل الثاني: الاسلام والعصبية
ويشمل عدة مباحث :
المبحث الاول :موقف السلام من العصبية .
المبحث الثاني :موقف الصحابة من العصبية
المبحث الثالث :موقف العلماء من العصبية.
المبحث الرابع : العصبية عند المسلمين
المبحث الخامس: علاج الإسلام للعصبية
المبحث السادس: شبهات المتعصبين .
الفصل الثالث: العصبية وحضرموت
وفية كذلك عددا ًمن المباحث:
المبحث الاول : العصبية وحضرموت
المبحث الثاني: أنواع العصبيات في حضرموت
المبحث الثالث: الطبقات الاجتماعية في حضرموت
المبحث الرابع : العصبيات وحكومات حضرموت
المبحث الخامس: أسباب العصبية
المبحث السادس : مظاهر العصبية
المبحث السابع: أضرر العصبية
المبحث الثامن: حضارم حاربوا العصبية
المبحث التاسع: ساه نموذج العصبية
وأخيرا الخاتمه وفيها: أهم النتائج والتوصيات مع قائمه المصادر
وفهرس الموضوعات


كتبه:
ابوسعد النشوندلي
حضرموت
5/3/1432هـ
Abd52010@gmail.com




























الفصل الأول
مدخل إلى العصبية
المبحث الاول : تعريف العصبية ومفهومها
المبحث الثاني : العصبية الجاهلية عند العرب
المبحث الثالث : العصبية عند الأمم الأخرى .















المبحث الاول:
تعريف العصبية ومفهومها:

العصبية :مأخوذة من العصب وهو لغة اللي والطي والشد , وتعصب شد العصابة وأتى بالعصبية , والعصبة :محركة الذين يرثون الرجال عن كلالة من غير والد ولا ولد فأما في الفرائض فكل من لم يكن له فريضة مسماه فهو عصبه أن بقى شيء بعد الفرض , وسمي الأقارب عصبه من جهة الأب لأنهم يعصبونه ويتعصب بهم أي يحيطون به ويشتد بهم , والتعصب أيضاء :المحاماة والمدافعة وتعصبنا له :نصرناه
العصبية اصطلاحاً: هي أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب معهم على من يناوئهم ظالمين أو مظلومين
وهناك تعريفات أخرى للعصبية كلها تدور حول معنيين(الاجتماع والنصرة ) فهما يمثلان صلب العصبية
أنواع العصبيات:
للعصبية أنواع متعددة وأشكال كثيرة منها مثلاً:
1- العصبية القبلية 2- العصبية الحزبية 3- العصبية المذهبية
4- العصبية القومية 5- العصبية المناطقية 6- العصبية الوطنية
7- العصبية العرقية 8- العصبية الجنسية 9- عصبية اللون
ويعتبر الشيطان الرجيم هو أول من رفع لواء العصبية فهو أبو العنصرين الأول, وكفى في هذاالصفة ذماً إن بدايتها ورعايتها من الشيطان المطرود من رحمه الله, يقول الله تعالى (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ{34} {}لبقرة: ٣٤
هذه هي قصه إبليس مع أبينا ادم ذكرها الله في سبعة مواضع من كتابه الكريم للعبرة ، فإبليس هو أول العنصرين وأول من أوجد العصبية والعنصرية :عنصرية التفاضل والجنس لأنه ميّز نفسه وهو من جنس غير البشر فقد خلق من نار ، ولكنّ الله لعنه وغضب عليه لأنه فضّل نفسه واستكبر عن السجود لأدم ، بينما العنصرين من جنس واحد واصل واحد فلماذا يعصون الله الذي أكدّ وحدة الجنس البشري في الخلق؟!!
وعندما جاء الإسلام غيّر هذه النظرة الأبليسية للعصبية ، وجعل رفعة الإنسان في الدنيا والآخرة بالتقوى والعلم ، قال تعالى(..يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ{11} المجادلة )
بل في تاريخ المسلمين المشرق الوضّاء يوجد علماء ارتفعوا بالعلم وليس بالحسب والجاه وهم كثير ومنهم من هو موالى مثل : الحسن البصري ، عبدالله بن المبارك ، وابن سيرين ، ومجاهد بن سليمان ، وزيد بن اسلم ، ومحمد بن المنكدر ، وطاووس بن كيسان ، وابن منبه ، ومكحول الشامي وكذلك عطاء بن رباح الذي وصف بأنه :أسود ، اعور ، أفطس ، أشل ، ثم عمي في آخر حياته وكان أبن عباس إذا أجتمع حوله أهل مكة يسالؤنه قال ( تجتمعون إلي أهل مكه وعندكم عطاء ) .
وكذلك مثله في يزيد بن أبي حبيب كان أبوه مولى لإمراة بن بني حسل وأمه مولاه لتجيب قال الذهبي عنه : ( كان من جله العلماء العاملين ارتفع بالتقوى مع كونه مولى أسود )
وما أجمل قول القائل :
أيها الطالب فخراً بالنســــــــب أنما النـــــــــــــــــاس لام ولأبْ
هل تراهم خلقوا من فضـــــــة أو حديد أو نحاس أو ذهــــــــــــبْ
أو ترى فضلهم في خلقهـــــــم هل سوى لحم وعظم وعصبْ
أنما الفضل بحلم راجــــــــــــح وبا خــــــــــــــــلاق كرام وأدابْ
ذاك من فاخر في النـــــــاس به فاق من فاخر منهم وغلبْ

وهذا أبو حفص عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ذهب إلى مكة فخرج في استقباله أمير مكة نافع بن عبد الحارث إلى عسفان فقال له عمر : من استخلفت على أهل مكة ؟
قال : أبن ابزى قال : ومن أبن ابزى ؟ قال : أنه من الموالي عالم بالفرائض قارئ لكتاب الله فقال عمر : (( أما أن نبيكم قال (( أنّ هذا القرآن يرفع الله به أقواماً ويضع به آخرين )) ويروي عن عمر أنه قال : وأبن ابزى ممن رفعه القرآن.
وحريٌ بأمه الإسلام اليوم أن تترفع عن مستنقعات العصيبة الآسن ، وان تحذر من العصيبة بكل اشكالها اشد الحذر ، فالعصبية تدمر الأمم والدول فكم من دول سقطت عندما نخرت فيها العصبية: فالأندلس مثلاً عندما ترك أهلها مبدأ الأخوة ، وصاروا أولايات متناحرة سلط الله عليهم النصارى, فقوّضوا املكهم وأزالوا ولاياتهم, التي غرقت في الترف والبذخ والعصبيات ، ومثلها كذلك الخلافة العثمانية عندما نخرت فيها العصبيان القومية والتركية والطورانية والعثمانية, وصارت فيها معاول الهدم من الداخل والخارج ، واكمل المؤامرة اليهودي الصنم كمال أتاتورك ، باسقاط خلافه المسلمين ، وهبّ النصارى لتمزيق أمه الإسلام إلى دول كثيرة متناحرة باتفاقيه (( سايكس بيكو )) فهل آن لأمه الإسلام أن تتعظ ؟
وأن تحذر العصبيات، وأن تعلم ان الشرف بالعلم والدين والتقوى، ورحم الله القائل:
الناس في جهة التمثيل أكفاء
××× أبوهم أدم والأم حواء

نفس كنفس وأرواح مشاكله
××× وأعضم خلقت فيهم وأعضاء

فاين يكن لهم من أصلهم حسب
××× يفاخرون به فالطين والماء

ما الفضل إلا لأهل العلم أنهم
××× على الهدى لمن استهدى أدلاء

وضد كل أمرئ ما كان يجهله
ج ××× والجاهلون لأهل العلم أعداء

المبحث الثاني
العصبية الجاهلية عند العرب
كانت قبائل العرب قبل الإسلام تعيش في نفق مظلم من الجهل وضلاله عمياء,تقدّس القبيلة واللون والجنس والجاه والمال ...
وصارت حياة الناس بمثابة العيش في غابه مخيفه,امتلات بالوحوش الكاسرة, الضعيف فيهم نهبا للقوي منهم ، والشريف متسلّط على الضعفاء ,وأكبر دلاله على هذا الحياة البائسة :الحروب والاقتتال الذي أستمرّ لسنوات طويلة بين القبائل واحيانا -يجمعها نسب واحد- لاسباب تافهة مثل: حرب داحس والغبراء التي استمرت أربعين سنه وحرب البسوس ويوم بُعاث بين الأوس والخزرج, كلها شاهدة على ترّدي تلك الحياة وتعاستها, ورحم الله هولاء المتناحرين بدين عظيم ونبي كريم كان سبب في اخماد هذه العصبيات

أن البرية يوم مبعث أحمد
××× نظر الإله لها فبدل حالها

بل كرم الإنسان حين أختار من
××× خير البرية نجمها وهلالها


أمثله على عصبيه العرب:
1- عصبية اللون: جرت العصبية في عروق العرب حتى على اللون فهذا عنترة بن شداد واحد من فرسان العرب يزدرية قومه لا لشى إلا لأنه أسود اللون ، وقد لاحظ عنترة الشجاع هذا لا زدراء وتالمَّ منه خصوصاً وقت السِلم يقول عنترة:

ينادونني في السلم يا بن زبيبه
××× وعند اصطدام الخيل ياابن الاطايب

مع أنّ عنترة يؤكد لهم أنا سواد بشرته لا يعد عيبا في حقه وهو الفارس الكريم وقد بين هذا في قوله:
أن كنتُ عبداً فاني سيد كرما
××× اواسودا اللون أني ابيض الخلق

2- العصبية القبلية :كان مبدأ قبائل العرب قبل الإسلام (( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً )) فكانت العصبية القبلية هي الحاكمة وعلى أساسها يعقد الولاء والبراء بين أبناء القبيلة ، ويستعد الرجل منهم أن يحارب جميع الناس ولو كان على الباطل وهم على الحق وذلك تعصبا لقبيلته! , ويدل على هذا الاستهتار قول شاعرهم دريد بن الصمه المخضرم :
امرتهمو أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلى ضحى الغد
فلما عصوني كنت منهم وقد اري غوايــــتهم وأني غير مهتد
وما إنا إلامن غزيه إن غوت غويت وان ترشد غزيه ارشد
فالشاعر يتنازل عن رأية الصواب لرأي قبيلته الخطاء فغيه مربوط بعشيرته.
ومثله النابغة الذبياني يعبر عن المعنى نفسه :
حدبتْ علىّ بطون ضبه كلها *** ان ظالماً فيهم وان مظلوماً

فالرباط الذي يربط أبناء القبيلة الواحدة هو العصبية فلا رأي و لا حرية للفرد إمام عادات القبيلة وتقاليدها وعاش العرب على هذا التخبط والازدراء فترة من الزمن, حتى بلغ بأحدهم سفاهة أنه يحارب أخاه إذا لم يجد عدواً يحاربه ، يقول القطامي الشاعر الجاهلي :
وأحياناً على بكر أخينا *** إذا ما لم نجد إلا أخانا
وقد كان الشاعر في الجاهلية يعيّر قبيلتهُ إذا ضعفت وتخلّت عن نصرته ,فهذا قريط بن أنيف, كان بعض بني شيبان أغار على أبله فا ستنجدّ بقومه فلم ينصروه فلجأ إلى بني مازن من تميم فانجدوه فمدحهم قائلاً :
لو كنت من مازن لم تستبح أبلي *** بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
إذاً لهب لنصري معشرٌ خشن *** عند الحفيظه أن ذولوثة لأنا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهان
لكن قومي وأن كانوا ذوي عدد *** ليسو من الشرفي شئ وأن هانا
فجرى بين العرب في الجاهلية شر عظيم بسبب العصبية التي تنافست عليها القبائل حتى صرّح شاعرهم عمر بن كلثوم في غطرسة وجهل قائلا:
لنا الدنيا ومن أضحى عليها ونبطش حيث نبطش قادرينا
نسمى ظالمينا وما ظلمـــنا ولكنا سنبدأ ظالمينا
ومن جهل هؤلاء العرب أن القبيلة المسالمة والتي لا تنزع إلى الحروب تكون نظر إزداء وسُخرية من القبائل الأخرى ، ومنه قول الشاعر تصغيرا لها :
قبيّلة لايغدرون بذمه *** ولا يظلمون الناس حبه خردل
أنه مدح في الظاهر وذم وسب في الباطن لهذه القبيلة ,ومن شر هذه العصبية على العرب إنها كانت سبباً في رد الحق بعد ظهور الإسلام ، فهذا أبو جهل وبعض من زعماء قريش يستمعون للقرآن من بيت الرسول فلما قال أحدهم :ــ ما رأيكم لو أسلمنا ؟ فقال أبو جهل : (( تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فاطعمنا, وحملوا فحملنا ,وأعطوا فأعطينا حتى إذ تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا : منا بني يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذا ؟والله لا نؤمن به ابدا ولا نصدقه , وبعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم انتهي هذا العصر المظلم وأسدل الستار على شره وفتح الرسول صلى الله عليه وسلم باباً من الإخوة و الرحمة فحازت هذه الأمة على المدح من ألله من بين الأمم قال تعالى(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ{110} آل عمران: ١١٠
ورحم الله القائل :

ان يختلف ماء الحياة فماؤنا
××× عذب تحدر من غمام واحد

اويختلف0نسب يؤلف بيننا
××× دين أقمناه مقام الوالد











المبحث الثالث
العصبية عند الأمم الأخرى
كما أنّ العصبية موجودة عند العرب ، فقد كان لها كذلك سوقٌ رائجةٌ عند بعض الأمم الأخرى ، بل لعلّ بعضها فاقت العرب عصبية وعنصرية ، كاليهود العنصريين يتباكون كل يوم على هيكل مكذوب ويزعمون أنهم شعب الله المختار!! ، كذلك الفرس الذين لم تنطفأ نار عصبيتهم وعدواتهم مع انطفاءِ نار ملكهم كسرى إلى الأبد ، ولو سنحت لهم الفرصة لاعادوا النار بعد ان تحركت بواعثها في نفوسهم وقد تحدث الله في كتابه عن عصبية اليهود والنصارى ومدى غرورهم قال تعالى(وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ{18}المائدة
يريدون ان يفخروا بذلك وان يتميزوا عن البشر, لان بادعائهم انهم ابناء الله واحباؤه فان الله لن يعذبهم بذنوبهم ولن يدخلوا النار الا اياما معدودة,قال الله عنهم ايضا(وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{111} بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{112}..)البقرة اية 111-112واخبر الله عنهم ايضا وعن عنصريتهم البغيضة بقوله تعالى(.وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{80})فافتخروا وتفاضلوا بأن النار لن تمسهم وتمس قبائلهم الا اياما معدودة وهي الايام التي عبدوا فيها العجل وهي اربعون يوما وتفاضلو على الامم الاخرى بذلك فكذبهم الله بقوله(ُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{80} بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{81} وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواالصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{82ْ..)لان القانون الالهي يحاسب الناس جميعا على قدر اعمالهم لا على انسابهم قال تعالى(.لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً{123}.)ومن لؤم اليهود وعصبيتهم للدنيا انهم ينظرون شزرا لمن قلّ ماله ولوكان صالحا منهم وقد حكى الله في كتابه عن الرجل الصالح طالوت فقال تعالى(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ{247}.)فاليهود يزعمون انهم شعب الله المختار وانّ ارواح اليهود جزء من الله, وان الفرق بين درجة الانسان والحيوان هو بمقدار الفرق بين اليهودي وغير اليهودي ,وان غير اليهود -في عقيدتهم الباطلة- كالكلاب والخنازير والبهائم ,ويزعم اليهود انهم هم العنصر الممتاز الذي يجب ان يسود وكل الامم الاخرى خدم لهم ,ويدل على هذه العصبية قيام الصهيونية من بينهم وهي:حركة سياسية عنصرية متطرفة تسعى لحكم العالم كله من خلال دولتهم المجرمة في ارضنا فلسطين , ولقد كان اليهود منذ القدم جراثيم تنقل العصبية بين الامم ,مثل مافعلوه بين الاوس والخزرج-ابناء العم-حتى كثرت حروبهم مثل:يوم حاطب ويوم فارع ويوم بُعاث, حتى اقبل الرسول صلى الله عليه وسلم-فاطفأهذه النيران التي تذكيها اليهود بين الاخوة ,
ومن الامم الاخرى التي تظهر فيهم العصبية على اساس طبقي :الهنود اذ تشكل طبقة البراهمة منهم اعلى واشرف طبقة ويشكل المنبوذون احط واذل طبقة في المجتمع الهندوسي فهي منبوذة ونجسة :
واليك الطبقات في المجتمع الهندوسي على النحو الاتي:
1-البراهمة:هم صفوة الخلق وقد الحقوا بالالهة
2-الكاشتر:وهم الذين خلقهم الاله من ذراعيه يتعلمون ويقدمون القرابين ويحملون السلاح للدفاع
3-الويش:يزرعون ويتاجرون وينفقون على المعابد
4-الشودر(الطبقة المنبوذة):وعملهم مقصور على خدمة الطوائف الثلاث وهؤلاء احط من البهائم واذل من الكلاب
وليس لهؤلاء المظلومين من خلاص الابعدل ورحمة الاسلام الذي اوجد الحرية والعدل بين جميع اتباعه دون تخصيص قال صلى الله عليه وسلم(الناس سواسية كاسنان المشط) , ومن الامم الاخرى التي اغرّتها العصبية حتى حقدت على الاسلام واهله:الفرس,الذين اطلقوا حملات كيد ومؤامرة على هذا الدين ,مرة باسم الشعوبية ومرة بالترجمة لكتب المانوية والمزدكية لاحياء رفات المجوسية المتناثر ومرة ثالثة بادعاء محبة ال بيت النبي صلى الله عليه وسلم والتعصب لهم عن طريق الرافضة والسبئية احفاد ابن السوداء عبدالله بن سبأاليهودي المتستر بالاسلام ,وهو اول من سنّ قول الشيعة في الامامة والتبرؤ من الخلفاء الراشدين بل ولعنهم واسس دين الروافض الذي تخرّج منه الكثير من الفرق المارقة والناقمة على الاسلام كالبهائية والبابية والرشتية والشيخية .
ومن الامم التي غرقت في العصبية ايضا الفراعنة(الاقباط) وقد تحدث الله عن احد زعمائهم وهو فرعون(رمسيس)قال تعالى(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ{4})وهو اول من نفذّ مبدأ(فرّق تسد)الذي استفاد منه الاحتلال النصراني الاوربي لتمزيق امة الاسلام اليوم الى دول وحكومات متناثرة واستحل ظلما بلادنا ونهب ثرواتنا.






























الفصل الثاني : الإسلام والعصبية
المبحث الأول : موقف الإسلام من العصبية
المبحث الثاني : موقف الصحابة من العصبية
المبحث الثالث :موقف العلماء من العصبية
المبحث الرابع : العصبية عند المسلمين
المبحث الخامس : علاج الاسلام للعصبية
المبحث السادس :شبهات المتعصبين










الفصل الثاني
المبحث الأول
موقف الإسلام من العصبية
لقد كان للإسلام موقفٌ حازمٌ ومحاربٌ للعصبية بكل أنواعها وأشكالها , لم يعقد معها هدنة ولاحوار ، بل أشعل عليها الحرب من اول لحظة ، فالإسلام دين لا يعترف بالعصبيات ولا بالألوان او الاحساب, فهو دين شامل عام لا تحاصره حدود او لغات ، ويستطيع الجميع إن يستظلوا تحت دوحة عدله وخيره بسلام وأمان ، فالإسلام دين له نظرة اعمق فهو لا يحكم على الأشخاص باللون أو الجاه أو الحسب ,فالجميع متساوون عند الله كأسنان المشط وجعل التفاضل بين إتباعه في شيء عظيم إلا وهو التقوى الصادقة التي تنبع من القلب وتصدّقها الجوارح ,هذا هو ميزان الإسلام العادل ، واصبح العالم اليوم يعيش ظلماً لأنه تنكبّ عن طريق الإسلام العادل بل على مدى تاريخ الإسلام الطويل لم يسجّل عليه ظلماً لأحد بسبب لونه أو نسبه ورحم الله القائل :
لعمرك ما الإنسان إلا بدينه ×× فلا تترك التقوى اتكالا على النسب
فقد رفع الإسلام سلمان فارساً ×× وقد وضع الشرك الخبيث أبا لهب
ولعلنا سنقف مع بعض النقاط التي نستلهم منها عدل الإسلام وحربة على العصبيات : -
أولا: القرآن الكريم والعصبيات:-
قال الله تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ{13}.. ) الحجرات إيه 13
قال الإمام البغوي رحمه الله عند تفسيرها : " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى .... " يعني آدم وحواء: أي أنكم متساوون في النسب
( وجعلناكم شعوبا ً .. ) جمع شعب وهي رؤوس القبائل مثل ربيعه ومضر ... وسمو شعوباً لتشعبهم كشعب أغصان الشجر و (( قبائل )) هي دون الشعوب واحدتها قبيلة ودونها العمائر ثم البطون ثم الأفخاذ ثم الفصائل والعشائر وليس بعد العشيرة حي يوصف به وقيل :- الشعوب من العجم والقبائل من العرب والأقباط من بني إسرائيل (( لتعارفوا )) ليعرف بعضكم بعضاً في قرب النسب أو بعده لا ليتفاخروا ,ثم اخبر إن ارفعهم منزلة عند الله اتقاهم فقال (( إن أكرمكم عند الله اتقاكم )) قال قتادة : في هذه الآية أكرم الكرم التقوى والأم اللؤم الفجور ,ومن تأمل القرآن يجد إن الله ذم التفرق والتعصب بجميع أشكاله قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ{159} )) وقال تعالى ((وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{105} )) آل عمران آية 105 قال ابن تيمية رحمة الله (( إن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب هو حكم من احكام الجاهلية ، الذين اتبعتهم عليه الرافضة وأشباههم من أهل الجاهلية ، ولهذا ليس فيه كتاب الله آية تمدح أحدا لنسبه ولا تذم أحدا لنسبة إنما يمدح بالإيمان والتقوى ويذم بالكفر والفسوق والعصيان ..
ثانيا: السنة المطهرة والعصبيات:-
من نظر إلى أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله يجد انه حذر اشد التحذير من العصبية, وذلك حرصاً منه على جمع الكلمة للأمة ولمِّ شملها وتوحيد صفوفها امام الإخطار المحدقة بها من الداخل والخارج ، ولهذا أول عمل بدأه الرسول عندما دخل المدينة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لإلغاء العصبية . وقد وردت أحاديث عنه صلى الله عليه وسلم تحذر الأمة من هذا السرطان الخطر على المجتمع وأبنائه منها:-
1- إلغاء العصبيات بجميع أشكالها لقوله صلى الله عليه وسلم (( ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية ))
2- تحذيره من العصبيات في خطبة الوداع قال صلى الله عليه وسلم(( يا أيها الناس إلا إن ربكم واحد وان أباكم واحد إلا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لا اعجمي على عربي ولا احمر على اسود ولا اسود على ابيض إلا بالتقوى )) ،
3- حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (( ومن قاتل تحت راية عمياء يغضب لعصبة أو يدعوا إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتله جاهلية ))
4- قال صلى الله عليه وسلم (( من ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثا جهنم ، فقال رجل : يا رسول الله وان صلى وصام قال : (( وان صلى وصام فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله ) .
5- ويقول عليه الصلاة والسلام (( إن الله اذهب عنكم عبيه الجاهلية وفخرها بالإباء مؤمن تقي وفاجر شقي ، انتم بنو آدم و آدم من تراب ليدعنّ رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن ))
6- قوله صلى الله عليه وسلم (( من تعزّى بعزاء الجاهلية فاعضوه بهن أبيه ولا تكنوه )) أي ما دمت تفتخر بابيك أو بحسبك فأعضض أير أبيك صراحة احتقاراً واهانة لعصبية الشخص .
7- ويقول عليه الصلاة والسلام (( أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر في الاحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة )) ، قال ابن تيمية رحمة الله : فاقتضى ان كل ما كان من أمر الجاهلية مذموم في الإسلام وإلا لم يكن في اضافه هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها ، ومعلوم إن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم كقوله تعالى ((..وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى.. )) الأحزاب آية 33 ، وقال تعالى ((إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ..)) الفتح آية 26 ، فدل ذلك على إضافة تلك الأمور إلى الجاهلية يقتضي ذمه والنهي عنه وذلك يقتضي المنع من أمر الجاهلية مطلقا ً )) ، وتكلّم الشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليه حول شرح هذا الحديث فقال (( إضافتها إلى الجاهلية الغرض منه التقبيح والتنقير لان كل إنسان يقال لك فعلك فعل الجاهلية لاشك انه يغضب إذ انه لا يرضى إن يوصف بالجهل والمراد بالجاهلية قبل البعثة, لأنهم كانوا على جهل وضلال عظيم حتى إن العرب كانوا اجهل خلق الله ولهذا يسمون بالأميين ، قوله صلى الله عليه وسلم (( الفخر بالاحساب )) التعالي والتعاظم والحسب : ما يحتسبه الإنسان من شرف وسؤدد كأن يكون من بنو هاشم فيفتخر بذلك ... وهذا من فعل أهل الجاهلية لان الفخر بالحقيقة يكون بتقوى الله الذي يمنع الإنسان من التعالي والتعاظم ، وقوله (( الطعن في الأنساب )) أي العيب في أصل الإنسان وقرابته فيطعن في نسبه كأن يقول أنت ابن الدباغ .) ،
8- ولا يفهم كلامنا أحد خطأ فيظن إن الإسلام إنما شن حربة على القبيلة في حد ذاتها إنما الصواب إن الإسلام حارب العصبيات فقط ،وليس من العيب ان يحفظ الإنسان نسبه وحسبه إنما العيب التفاخر والتكبر على عباد الله واحتقارهم . وعندما حارب الرسول العصبيات دعا إلى التآخي والتناصر بين المسلمين قال الرسول صلى الله عليه وسلم (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا )) وقوله صلى الله عليه وسلم (( المسلم اخو المسلم لايظلمه ولا يسلمه ))
9- قوله صلى الله عليه وسلم ((من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه )) ، قال ابن رجب رحمه الله في شرحه : معناه ان العمل هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخره كما قال تعالى ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ{19}...)) فمن بطّأ به عمله ان يبلغ به المنازل العالية عند الله لم يسرع به نسبه فيبلغه ذالك تلك الدرجات فإن الله رتب الجزاء على الأعمال لأعلى الأنساب كما قال تعالى ((فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ{101})) المؤمنون آيه 101
10- ويقول عليه الصلاة والسلام ((انتسبَّ رجلان عند موسى وقال احدهما : انا فلان ابن فلان حتى عدَّ تسعه وانتسب الثاني فقال : إنا فلان ابن فلان ابن الإسلام فأوحى الله لموسى قل للأول : انتسبت إلى تسعة وأنت عاشرهم إلى النار ، وقل للثاني انتسبت إلى اثنين وأنت ثالثهم إلى الجنة ))
11- العبادات في الإسلام كلها مظهر من مظاهر الأخوة والتسامح بين المسلمين ، فالصلاة والحج والزكاة أمثلة على الأخوة والتراحم واجتماع المسلمين ، وفيها براءة تامة من العصبية بجميع أشكالها .

المبحث الثاني
موقف الصحابة من العصبية :
لم تعرفْ البشرية في حياتها جيلاَ أطهر وأنقى من جيل الصحابة-رضي الله عنهم-, أنهم أقوامٌ شرفهم من فوق سابع سماء ، فحازوا منه على الشرف والرضا ، وقد كانوا رضي الله عنهم ــ أبعد الناس عن العصبية بكل أنواعها ، وذلك لعلمهم خطورة هذا الداء على تماسك المجتمع المسلم واستقراره ، ولهذا من نظر إلى الصحابة وإلى اختلاف قبائلهم ومدنهم وألوانهم وجد ان لهم قلبا واحدا جمعة الله وألفّ بينهم ، فهذا عمار بن ياسر من عنس ، وهذا بلال من الحبشة ، وأبو بكر من تيم وأبن مسعود من هذيل ، وعتبة بن غزوان من مازن ، وأبو موسى من الأشاعره ،وسلمان من فارس, وصهيب من الروم ، وعلي بن أبي طالب من بني هاشم ، اختلفت الأنساب واجتمعت القلوب ، وتباعدت الأوطان وتقاربوا بالإيمان ، وكأنّ لسان حالهم قول القائل :ــ

أبي الإسلام لا أبي لي سواه
××× إذا افتخروا بقيس أو تميم

ومن الصحابة الذين حاربوا العصبية وحذروا الامة من التعصب والاستعباد :عمر بن الخطاب رضي الله عنه ــ الذي قال كلمة وبقي الزمان يرددها ، (( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحررا؟ )) ومن العجيب أن هذه الكلمة العظيمة هي أول مادة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (( يولد الناس جميعاً أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق ... ))
وكتب في رسالته رضي الله عنه إلى احد قواده (( وإذا كانت بين القبائل ثائرة ــ فتنه هائجة ــ وتداعوا بال فلان فإنما تلك نجوى الشيطان فأضربهم بالسيف حتى يفيئوا إلى أمري الله وإلى الأمام ,وقد بلغ أمير المؤمنين أن ضبه ــ اسم قبيلة ــ تداعوا بال ضبة فقال (( وأني والله ما أعلم أن ضنه ساق الله بها خيراً قط ولا منع بها من سوء قط فإذا جاءك كتابي هذا فأنهكهم عقوبة حتى يفرقوا أن لم يفقهوا.. ))
الوقف الثاني :ــ
هذا أبو ذر ــ رضي الله عنه ــ سابَّ رجلاً فعيّره بأمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصحاً ومحذراً (أنك امرؤ فيك جاهليه )

الموقف الثالث :
حطّم الرسول صلى الله عليه وسلم صنم العصبية في مجتمع الصحابة ، بعد أن كانوا أهل جاهلية يزوجون على الحسب والنسب, فالرسول الكريم زوج زينب بنت جحش لزيد بن حارثة علماً أن زينب ابنت عمة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي من اعلى قريش نسباً وزيد مولى اعتق فقبلت زينب رضي الله عنها هذا الزواج استجابة لأمر ربها (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً{36} ) الأحزاب الآية 36.
الموقف الرابع:
وهذا الموقف يشبه الموقف السابق يحطّم به النبي صلى الله عليه وسلم دعاوى بعض المسلمين اليوم ,الذين منعوا زواج بناتهم إلا من ذي حسب ونسب ولو تقدم لهن من هو أفضل منه تقى وعلماً,فهذا جلبيب خطب له النبي صلى الله عليه وسلم أمراة من الأنصار إلى أبيها فقال : أستأمرُ أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( فنعم اذا )) قال: انطلق إلى إمراته فقالت ( لا )والجارية تسمع فقالت : أتريدون أن تردوا على رسول الله أمره أن كان رضيه لكم فانكحوه؟ فذهب أبوها وقال قد رضيناه فزوجها ثم قتل جليب في احد معارك المسلمين فقال أنس ــ فلقد رأيتها وإنها لمن انفق بيت في المدينة فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حرص كل الحرص على تطهير مجتمع أصحابة من لوثات العصبية وقام بسد جميع أبوابها, وعندما حاول يهودي خبيث تأجيج العصبية بين الصحابة- علماً أن معظم النعرات القديمة والحديثه وراءها أصابع يهودية ابليسية- وقد صدق الله فيهم (( ..كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ{64. )) المائدة آية 64
قال أبن إسحاق ( مرّ شاس بن قيس ــ عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم ــ على نفر من الصحابة من الأوس والخزرج في مجلس فغاظه ما رأى من الفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فأمر شاب من يهود كان معهم فقال : اعمد إليهم ثم أذكر يوم بعاث وما كان قبله وانشد بعض ما كانوا تقاولوا فيه وتفاخرواً حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فقال احدهما : (( إن شئتم رددناها الآن جذعه فغضب الفريقان جميعاً وقالوا قد فعلنا موعدكم الحرة ــ السلاح السلاح فخرجوا إليها, فمبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من أصحابة المهاجرين حتى جاءهم فقال ( يا معشر المسلمين الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟بعد إن هداكم الله للإسلام فاكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر والفّ بين قلوبكم)فعرف القوم انها نزغة من الشيطان ومن كيد عدوهم فبكوا وتعانقوا بعضهم بعضا وانصرفوا مع الرسول سامعين مطيعين .

الفصل الثاني
المبحث الثالث
موقف العلماء من العصبية
لقد كان للعلماء قديماً وحديثاً موقف صارم من العصبيات بجميع أشكالها ، فالفوا المؤلفات في التحذير منها ، وأصدروا الفتاوى التي تحارب جميع أشكال العصبيات ، واعتبروها من مخلّفات الجاهلية التي ينبغي لمجتمعات المسلمين أن تربأ بنفسها عنها, قال شيخ الإسلام ابن تيمية (( كل ما خرج عن دعوى الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية بل لما اختصم مهاجري وأنصاري فقال المهاجري : يالمهاجرين وقال الأنصاري : ياللأنصار فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( أبد عوى الجاهلية وإنا بين أظهركم وغضب لذلك غضباً شديداً ))
ومن عظيم فقه الأئمة الأربعة ــ رحمهم الله ـ أنهم حذروا اتباعهم من التعصب لا رائهم إذا خالفت الدليل , فبعد هذا لم يبق هناك أي حجة أمام المتعصبين للمذاهب, وقد نظم أحدهم كلام هؤلاء ألائمه الإعلام فقال :
قال أبوحنيفة الإمام
××× لا ينبغي لمن له إسلام

اخذ بأقوالي حتى تعرضا
××× على الحديث والكتاب المرتضى

ومالك أمام دار الهجرة
××× قال وقد أشار نحو الحجرة

كل كلام منه ذوقبول
××× ومنه مرود سوى الرسول

والشافعي قال أن رأيتم
××× قولي مخالفاً لما رويتم

من الحديث فاضربوا الجدار
××× بقولي المخالف الأخبارا

واحمد قال لهم لا تكتبوا
××× ما قلته بل أصل ذلك اطلبوا

دينك لا تقلد الرجالا
×× ××× حتى ترى أولاهم مقالا

فو أسفاه اليوم لما يجري بين أمه الإسلام من تهارش وهرج و نعرات و عصبية على النسب واللون والحسب... وهولاء العلماء حملة الشرع المطهر يحذرون الأمة أشد التحذير من هذه العصبيات,التي زلزلت تماسك الجدار الإسلامي الواحد, وقد اتفق العلماء على حرمة التعصب للقبيلة وأبناء العشيرة, والانحياز إلى القرابة والمحاباة بسببها والاقتتال من اجلها أو تحت لوائها على غير وجه , وقد جاء الإسلام ليزيل الآثار السلبية للقبلية فألفَّ بين القلوب ومنع التدابر قال تعالى ((وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُم ْتَهْتَدُونَ{103 )) ال عمران الآية 103.
ومن العلماء الذين زلزلوا عروش العصبية ابن القيم رحمة الله الذي قال ( الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية للإنساب ومثله التعصب للمذاهب والطوائف والمشايخ وتفضيل بعض على بعض في الهوى والعصبية, وكونه منتسبا إلية يدعو إلى ذلك ويوالي عليه ويعادي ويزن الناس به فكل هذا من دعوى الجاهلية )
ومن العلماء المعاصرين الذين حذروا من التعصب بجميع إشكاله الشيخ ربيع بن هادي المدخلي اذ قالنقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة أن التعصب الذميم للا ديان والقبائل والأشخاص والأفكار والمذاهب والأحزاب قد حاربه الإسلام اشد الحرب, ذلك التعصب المقيت هو المنبع الوحل المتعفن والمصدر البغيض لكل هذه الأدواء الفتاكة وهو الدافع للأحزاب الكافرة الظالمة لأن تقف في وجه الرسل والرسالات بالتكذيب والافتراء والا تهامات والجدال والخصام بالباطل )
فالعصبيات كلها شؤم ، فكم من حق ردَّ لا جلها ؟، فالتعصب القبلي دفع بني حنيفة إلى التكذيب على حد قولهم نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة والله إني لا اعلم بأن محمداً صادقاً ومسليمه كاذب ولكن كاذب ربيعه أحب إلىّ من صادق مضر )) وهذا أبو طالب رفض الإسلام عصبية لأجداده .وأهل الجاهلية يرفضون الإسلام تعصبا لا بائهم قال تعالى : ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ{170 )) البقرة 170
ومن نصائح ابن تميمة الثمينة للمعلّمين قوله: (( وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء بل يكونون مثل الأخوة المتعاونين على البر والتقوى كما قال تعالى (.وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ{2}. ) المائدة 2
وليس لاحد منهم أن يأخذ على احد عهداً بموافقته على كل ما يريدوا موالاة يوالية ومعاداة من يعاديه بل من فعل هذا كان من جنس جنكيزخان وأمثاله الذين يجعلون من وافقهم صديقا وليا ومن خالفهم عدوا يغيظا بل عليهم وعلى أبنائهم عهد الله رسوله ... ))
وقد صدق بعض العلماء عندما قال ( ربَّ حبشي عند الله أفضل من الوف من قريش )
والان سنقف مع بعض فتاوى العلماء المحذرة من العصبيات, والفتاوى كثر ولكنا نختار هذه الفتوى لا بن عثيمين رحمة الله ــ عندما سئل التفاخر بالأنساب؟اجاب(رايي في ذلك ان التفاخر بالانساب من دعوى الجاهلية وقد تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء واما قولة تعالى (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)فالمراد في أمور الدنيا لأن الله تعالى قال (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ{31} أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَابَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ{32}.) الزخرف 31 ـ 32
فهذا فقير وهذا غني وهذا صحيح وهذا مريض وهذا قوي وهذا ضعيف ... هذا المراد أما التفاخر بالأنساب فهو من دعوى الجاهلية وقد تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من فاعلها قال الله تعالى (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ{13}
......)) لتعارفوا لا لتفاخرو ا 0


المبحث الرابع:
العصبية عند المسلمين
في الوقت الحالي تعدّدت العصبيات عند المسلمين ,وتشعبت أنواعها بتمزق المسلمين الى أحزاب وجماعات كثيرة ,وأصبح اليوم لها دعاتها ومروجيها بل وحماتها ,والمنادون بها في زماننا كثر ,حتى أصبحت بلاد المسلمين يرثى لها فمن نظر مثلاً إلى الصومال المتحارب مع نفسه منذ عقود أدرك حجم المأساة, وقريباً منها السودان الذي تحتدم فيه المعارك القبلية بين حين وآخر, ومثلها قل في اليمن فمسلسل الثأر بين القبائل مستمر, ومن أكثر محافظات اليمن دمويه محافظة البيضاء التي كغيرها تردى حالها كبعض محافظات اليمن الأخرى ، انها قبائل متناحرة جمعهم الدين والاخوة ومزقتهم العصبيات وحولتهم إلى رماد متناثر., يحق لكل مسلم أن يحزن لما يراه في بلد الحكمة والإيمان في ظل سكوت رسمي مخيف ,وهذا يعود إلى ثمار العصبية الخبيثة التي مقتها الإسلام وحاربها, يقول الشيخ ناصر العقل ( العصبية إلى قوم او الى مذهب أو إلى بلد أو نحو ذلك فأي عصبية أوانتماء لغير الإسلام على وجه الافتخار والتعصب أنما هو من أفعال الجاهلية فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( ليس منا من دعا إلى عصبية . وليس منا من قاتل على عصبيه) وهذه العصبية التي نهى الرسول عنها من أعظم الأمور التي وقع فيها المسلمون قديما وحديثاً, ومن العصبية التي وقعت بين المسلين الان فافتتنوا بها وفرقتهم :القوميات والوطنيات الضيقة التي جعلت المسلمين شعوباً وفرقتهم امما .. تبين لنا مدى تأثير القوميات في إثارة العصبيات الجاهلية على المسلمين ومناصرة الظالم انتصاراً للقومية وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله : (( من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردي فهو ينزع بذنبه )) صحيح الترغيب رقم 2249 .
فهذه بعض الأمثلة على بعض بلاد المسلمين التي تضررت من العصبية, وقل مثلها في كثير من بلاد المسلمين التي تضررت من العصبية ,فالأمة تفرقت وتمزقت تمزقاً وتعصب كل فريق لمذهب معين ولاتجاه معين مع الأسف الشديد, مع إن نصوص الكتاب والسنة تدعوا الى وحدة الامة والتفافها حول الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة ، وقد لاحظ ابن عباس شيئاً من التعصب لأعظم الخلفاء أبي بكر وعُمر فقال لهم : (( يوشك إن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول : قال رسول الله وتقولون قال ابوبكر وعمر ))
ولعل من سعى في تأجيج هذه العصبية بين المسلمين هم :اليهود والنصارى من الخارج لإضعاف المسلمين من الداخل وإشغالهم بأنفسهم فظهرت في أوساط المسلمين قبل عقود دعوات وأفكار متعصبة هدامة يرفضها الإسلام ، وقد تسللت هذه الدعوات من الكفار ومن هذه الدعوات: الدعوة للتعصب للقومية والوطنية والاشتراكية والعبثية والديمقراطية وظهر في بلاد اللاسلام من يدعوا ويدافع عنها ، حتى كفر احدهم قائلاً :
سلام على كفريوحد بيننا ××× وأهلا وسهلا بعده بجهنم
وبثَّ أمثال هذا سمومهم في جسم المسلمين المريض بالدعوة إلى أحزاب الحادية كافرة وتعصبوا لها, وحاربوا الدين والأخلاق وصارت عندهم هذه الأفكار المنحرفة مقدسة وهذا واحد منهم يقول:
آمنت بالبعث ربا لاشريك له ××× وبالعروبة ديناً ماله ثاني
أنها حقاً دعوات نشاز تتعصب لحزب أو لفكر أو لوطن فترّدى معها حال المسلمين وزادوا تفرقا وتخلفا, ومضت قافلة الحضارة و التقدم, والمسلمون في الخلف وصارت أرضهم لقمة سهلة للطامعين من اليهود والنصارى والمجوس, بعد ان ظهر جيل من المسلمين يعقد الولاء والبراء لحزب أو جماعة أو لفكر ولو كانوا أعداء لله ورسوله ، وصرنا شذر مذر كأصحاب سبأ وصارت امتنا كما وصفها القائل :
وتفرقوا شيعاً فكل قبيلة ××× فيها أمير المؤمنين ومنبر
والمصيبة الكبرى إن هذا التمزق استطال شره حتى إلى اهل الخير يقول الشيخ ناصر العمر (( التحزب من بعض المسلمين ضد بعض فتجد بعض الدعاة ضد بعض ,وبعض طلبة العلم يتحزبون ضد بعض فيحب هذا أكثر من هذا لان الأول من حزبه ولو كان الثاني اتقى منه وأفضل ، وهذا خطأ كبير وهذا يحب ذلك لأنه يتبع شيخه أو إمامه ويعادي الأخر لأنه يتبع إماما وشيخاً أخر ))



المبحث الخامس
علاج الإسلام للعصبية
الإسلام دين شامل كامل استطاع ان يحل جميع مشكلات الناس لأنه دين سماوي حق من عند حكيم عليم قال تعالى ((ا أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ{14})ولهذا فان الله حذر في كتابه من العصبيات وأسبابها ومنه التفرق والتحزب قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ{159}
وحذر إمامنا ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم من جميع دعاوى ومخلفات الجاهلية الباطلة:
قال صلى الله عليه وسلم ((م من ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثا جهنم ، فقال رجل : يا رسول الله وان صلى وصام قال : (( وان صلى وصام فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله ))) .
ومن محاسن هذا الدين انه حافظ على الأنساب والأرحام فحرم التبني والزنا ... وحارب الرق والعبودية ودعا المسلمين ورغب الى العتق ،وكفل جميع الحقوق حتى للضعفاء والرقيق وهذا الذي ميز الإسلام عن غيره, احترامه لحقوق الإنسان والعدل والإنصاف.
ومن الحلول التي وضعها الإسلام للقضاء على العصبيات :-
1- تعميق رابط العقيدة على الأنساب :-
قال تعالى((..( لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{22} . )). المجادلة اية22.
وقال تعالى((...لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ{3} ))الممتحنة ايه 3.
وقال تعالى((..} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{23} قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{24}. )) التوبة اية 23-24.
وقال تعالى((...ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ{10} وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ{11} وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ{12} ))التحريم اية10-12.
فنو ح تبرأ من ابنه وزوجه لأنهما كانا كافرين ,وإبراهيم تبرأ من أبيه لكفره ,ولوط تبرأ من زوجته لكفرها ، فالولاء والبراء في هذا الدين على أساس العقيدة والطاعة, لاعلاقة لها بعصبية لجماعة أو لشيخ ولحزب او لقبيلة...
2- حارب الإسلام رواسب الجاهلية ومنها العصبية قال صلى الله عليه وسلم ((إن الله اذهب عنكم عبيه الجاهلية وفخرها بالإباء مؤمن تقي وفاجر شقي ، انتم بنو آدم و آدم من تراب ليدعنّ رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن...)) .
3- دعوة الإسلام إلى الأخوة الإيمانية قال تعالى ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ{10}...)) الحجرات أية 10
فعلى جميع المسلمين الالتزام بمبادئ الإسلام السمحة ولا يستكملوا الإيمان إلا إذا تركوا عادات الجاهلية المنحرفة, من تكبر وعنصرية وعصبية, وهكذا يصبحون أعضاء في المجتمع المسلم المملوء رحمة ومحبة كبيرهم وصغيرهم فلا يستعلي غني على فقير ولا حاكم على محكوم ولا قوي على ضعيف .
4- حذر الإسلام من كل مكدرات الإخوة وملوثات نقائها فقد حرم الغيبة والنميمة والتدابر والتحاسد والهجر والتقاطع والتقاتل قال صلى الله عليه وسلم ((قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا))
وقوله صلى الله عليه وسلم((لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)) .
وحذر رسول صلى الله عليه وسلم من حمل السلاح وترويع المسلمين قال رسول صلى الله عليه وسلم((لا يحل لمسلم أن يروع مسلما ))
وقال عليه الصلاة والسلام ((من أشار إلى أخيه بحديده فان الملائكة تلعنه حتى وان كان أخاه لأبيه وأمه)) وقوله صلى الله عليه وسلم ((من حمل علينا السلاح فليس منا )) فالمسلم عند الله أعظم حرمة من الكعبة, لذا فدمه وماله وعرضه حرام، وفي المقابل دعا الإسلام إلى التلاحم بين المسلمين ولا فرق بين ضعيفهم ولا ملكهم, فالفقير يقتص ممن ظلمه ولو كان ملكا, فهذا جبلة بن الايهم ملك غسان اسلم في خلافة عمر وبينما يطوف بالكعبة وبدون قصد وطأ مسلم فقير إزاره فلطمه جبلة فهشم انفه فشكاه الرجل إلى الخليفة عمر بن الخطاب فقال: القصاص فقال جبلة :كيف يقتص مني وأنا ملك وهو سوقه؟, ففهمه عمر-رضي الله عنه- أن الإسلام سوى بينهما فهرب جبلة إلى الروم وتنصر من اجل لطمة ثم قال يوما شعرا يتحسر:-
تنصرت الأشراف من عار لطمة ××× وما كان لي فيها لو صبرت ضرر
تكنفني فيها لجاج ونخوة ××× وبعت بها العين الصـــــــــحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ××× رجعت إلى القول الذي قال لي عمر
ويا ليتـــــني أرى المخاض بدمنة ××× وكنت أسيرا في ربيعه ومضر
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة ××× أجالس قومي ذاهب السمع والبصر







المبحث السادس
شبهات المتعصبين
يحاول بعض المتعصبين تجميل وجه عصبيتهم القبيح وإبعاد التهم المنوطة به ،يتعللون أحيانا بادله عليلة وأحيانابادلة لم يفهموها فهما شرعيا صحيحا وبعضهم عنادا يصر على مواقفه الجائرة ,ويرفض أي توجيه بشأن هذه القضية ويظن إن هولاء يحسدونه ويحاولون إسقاط سمعته أو التقليل من حسبه عندما ينادون بالعدل بين المسلمين إلا بالتقوى والعمل الصالح,وهذا ما جعل بعض هؤلاء المتعصبين يضعون أصابعهم في آذانهم عن سماع الحق ، ويقفون موقف العداء لهذه الدعوات المصلحة لأنهم يرونها تهدد مصالحهم ومراكزهم التي توارثوها لعهود طويلة .
وسنقف - أخي القارئ – مع بعض هذه الشبهات التي فنّدها العلماء وردوا عليها.
الشبهة الأولى :
يستدل المتعصبون بقوله تعالى ((وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ{165}) الأنعام آية 165 .
الجواب : قال المفسرون أي فاوت بينكم في الرزق والقوة والعلم والفضل والخلق والخُلُق والصحة وجودة النفوس والأذهان وهو كقوله تعالى ((نحن قسمنا بينهم معيشتهم ...)) الزخرف آية 32.
فليس مقصود الآية إثبات تفاوت الناس في درجات النسب فالناس كلهم لآدم وآدم من تراب ولم يقل احد من العلماء بهذا المعنى لأنه يخالف حقائق صريح الأدلة التي تحث على التساوي وتزيل الفوارق الاجتماعية .
الشبهة الثانية :
يستدلون على التفاضل بحديث ((تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء)).
الجواب أن هذا الحديث لا يصح ونص العلماء على بطلانه .
الشبهة الثالثة :
يستدلون على جواز الفخر بقول النبي صلى الله عليه وسلم (( أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)) .
الجواب :نعم هذا ثبت عن الرسول ولكنه ليس على سبيل الاستعلاء المذموم وإنما لإظهار القوة أمام العدو فلا بأس به ومثله الكثير من المواقف للصحابة كانت لإظهار الشجاعة وقوة البأس ولم تكن للتكبر والغرور ومثله قول الرسول (( أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) .
الشبهة الرابعة :
استدلالهم بالحديث التالي على جواز الفخر بالنسب قول الرسول صلى الله عليه وسلم (( إن الله اصطفى كنانه من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم )) .
الجواب :أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يذكر نسبه افتخارا فالرسول تحدث عن نسبه للإخبار بأنه من خيارنا معروف القبيلة ومع ذلك فالرسول لم يتكل على نسبه أو يرفع أحدا لنسبه بل عدل بين جميع المسلمين.
الشبهة الخامسة :
يستدل المتعصبون على الأفضلية والتمييز بحديث (( قدّموا قريشا ولا تقدّموها )) .
الجواب : لو نظر هؤلاء إلى حياة الرسول وأصحابه لووجدوها حياة حافلة بالعدل ولم يفتخر احد من قريش على بقية إخوانه بهذا الحديث أو بغيره, فعلي بن أبي طالب لم يكتب عنه في التأريخ انه افتخر يوما على بلال أو عمار بهذه المزية لأنه يعلم أن الشرف والرفعة إنما تكون بتقوى الله ,وان جميع الصحابة إخوانه لا فرق بينهم إلا بالتقوى, وهذا دليل على عدم جواز التعالي على احد المسلمين وما ورد من أحاديث مثل هذا إنما هي خاصة وجاءت للإخبار وليس للافتخار.
الشبهة السادسة :
يستدلون على التمييز بقوله تعالى ((فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ{101}...)) ثم يعرجون بذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ((كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي )) .
الجواب : ليس في هذا الحديث تصريح بجواز تقديس جماعة او العصبية لها وازدراء من سواهم من المسلمين ,بل من قرأ سيرة آل البيت – رضي الله عنهم – وجد حياتهم تفيض حبا للمسلمين وتواضعا لهم فهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول ((انما أنا عبد اجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد ))
وقد روي عن جعفر الصادق قوله (( إن الله رفع من كان تقيا من مؤمنا ولو كان عبداً حبشيا ويضع من كان عاصيا أو كافراً ولو كان شريفا قريشا )) وهم رضي الله عنهم كما قال الأول :
انا وإن أنسابنا عظمت ××× لسنا على الأنساب نتكلُ
وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول (( يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فأني لا املك لكم من الله شيئا ))
ولو كان النسب وحده ينفع يوم القيامة لنفع أبو لهب نسبه فهو عم الرسول غير أن الله حكم عليه بالنار جزاء لكفره.
الشبهة السابعة :
استدلالهم بحديث (( العرب بعضهم أكفاء بعض والموالي بعضهم أكفاء بعض )).
الجواب : قال ابن حجر رحمه الله (( لم يثبت في اعتبار الكفاءة في النسب حديث ))
وهذا الحديث في سنده علي بن عروة رماه ابن حبان بالوضع بل ورد على عكسه فالرسول زوج زينب بنت جحش من زيد بن حارثة وهو مولى وهي قرشية وأمها هاشمية وبلال بن رباح تزوج أخت عبد الرحمن بن عوف القرشي ومثله كثير .












الفصل الثالث : العصبية و حضرموت
المبحث الأول : العصبية و حضرموت
المبحث الثاني : أنواع العصبيات في حضرموت
المبحث الثالث : الطبقات الاجتماعية في حضرموت
المبحث الرابع : العصبيات وحكومة حضرموت
المبحث الخامس : أسباب العصبية
المبحث السادس : مظاهر العصبية
المبحث السابع : أضرر العصبية
المبحث الثامن : حضارم حاربوا العصبية
المبحث التاسع : ساه نموذج العصبية






المبحث الأول :
العصبية و حضرموت
ليس بدعاً العصبية على حضرموت فقد تنافست بعض قبائلها على تسطير أمجادها وكتابة فضائلها وتأريخها ونشر حسبها وذكر زعمائها ومناقبها ، ومن هذه المؤلفات مثلا ما يلي :
1) المشروع الروي في مناقب السادة آل باعلوي .
3) برد النعيم في نسب الأنصار خطباء تريم .
5) صلة الأهل في مناقب فضلاء بني فضل .
7)مقدمة انساب وأشعار قبائل آل كثير .
10) مفتاح السعادة والخيرفي مناقب آل باقشير.
12)شواهد التنزيل لمن خص بالتفضيل 2) الجوهر الشفاف في فضائل ومناقب السادة الأشراف .
4) البنان المشير في فضلاء آل كثير .
6) البيان الفصل في ما لبني هاشم من الفضل .
8) شمس الظهيرة في انساب السادة العلوية .
9)العقد النبوي في مناقب أهل البيت النبوي .
11) الجواهر في مناقب الشيخ أبي بكر تاج الأكابر.
وهكذا تنافست قبائل الحضارم في إبراز فضائلها وأنسابها, والمحزن أن يتعالى احد هؤلاء ويتعصب لقبيلته ، والعصبية تعيش مع الحضارم أينما عاشوا بل أحيانا تسافر معهم ولو إلى بعيد ,ولعل ما حدث من فتنة عمياء وعصبية خرقاء بين الحضارم في جاوه في شرق آسيا اكبر دليل على هذا ,وقد اندلعت حرب وخصومات بين العلويين والإرشاديين من الحضارم ورمى بعض العلويين إخوانهم من الإرشاديين بالزندقة والكفر والعمالة, وسعوا إلى الهولنديين المحتلين لجاوه لمحاربة هؤلاء الإرشاديين حتى وصل الأمر بينهم إلى المصادمات وإسالة الدماء وتدخلت أطراف للصلح بينهم غير إنها فشلت ، وهكذا ظلت العصبية كابوسا يؤرقُّ مضجع الحضارم ويهدد مستقبلهم, وكلما ضعف تمسك المجتمع بأخلاق دينه زادت هذه العصبيات, واضطربت معها سفينة المجتمع يمنة ويسرة ومع كل لحظة نكتم أنفاسا ونتنهد خوفا أن تغرق سفينة مجتمعنا في محيط العصبيات ، والعصبية في حضرموت تختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان وللإنصاف فان حضرموت لم تصل بعد إلى ما وصلت إليه بعض محافظات اليمن الأخرى من تفجير واستخدام للسلاح الثقيل بين القبائل وتخريب للمال العام وخطف للسياح وقطع للطريق, ولكننا نخشى أن يصيبنا مثل ما أصابهم فان اختلاط الأجرب بالصحيح يُعديه ، ونجزم انه لو كان للحكومة دور بارز في حرب العصبيات لتلاشى الكثير منها في حضرموت خصوصا ان مجتمعنا أكثر وعيا وانضباطا, وان وجدت حالات فهي منحرفة وشاذة فإننا نسأل لنا ولهم الهداية وان يطهر مجتمعنا من هذه الأدواء.
المبحث الثاني
أنواع العصبيات في حضرموت
حضرموت كغيرها من بلاد المسلمين التي تأججت فيها نار العصبية ولم تنطفئ لقرون طويلة وان ضعفت أحيانا في بعض العصور فإنها سرعان ما يثور بركانها ويتطاير شررها ، ونرى أن هذه العصبيات يشتد عودها ويقوى ساعدها إذا توفر لها مناخان مناسبان على مر العصور في حضرموت :
1- ضعف الوازع الديني لدى المجتمع والجهل الذي يولد منه كل شر ومنه العصبية .
2- ضعف دور الحكومة في الحرب على العصبيات وأحيانا سكوتها ورضاها ، فهذا يجر اقدام المجتمع إلى ويلات كثيرة عند ضعف السلطان وصدق بعض السلف عندما قال (( إن الله ليزع بالسلطان ملا يزع بالقرآن)) ولو نظرناالى انواع العصبيات في حضرموت لرأينا ان بعضها قديم والاخر طارئ عليها وحديث, علما ان هذه العصبيات تضعف في عصر وتشتد في عصر آخر وتقوى في مناطق وتضعف في مناطق اخرى .
واليك -اخي القارئ- جانبا من هذه العصبيات المختلفة وليس حصرا لها :
1- العصبية القبلية . 2- العصبية المذهبية .
3- العصبية الحزبية . 4- العصبية المناطقية .
5- العصبية الرياضية . 6- العصبية الفكرية .
أولا :العصبية القبلية :
وهي تضامن قوم تجمعهم آصرة النسب أو الحلف مع نصره بعضهم بعضا ضد من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين .
وقد سأل واثلة بن الاسقع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العصبية ؟
فقال ((ان تعين قومك على الظلم )) .
والعصبية القبلية في حضرموت لها تأريخها الطويل, لان المجتمع في حضرموت يتركب من عدد من القبائل بعضها قديمة مثل : كندة وحضرموت وبعضها الأخر وافدة من شرق أو شمال حضرموت مثل كبريات القبائل في حضرموت اليوم : آل كثير – نهد – بني ظنه - ...
وقد كانت العصبية القبلية في القديم من مخلفات العصر الجاهلي, فالقبيلة عندهم هي البنية الاجتماعية والسياسية لتلك المجتمعات ففيها يجد العربي الحماية ولها يتعصب والرباط الأقوى منها هو العصبية , وقد ورثت قبائل اليوم رواسب الماضي فقد خلفت العصبية القبلية: الثأر والحروب الطاحنة بين القبائل والتفاخر والتعالي وظهور الطبقات في المجتمع ومنع الزواج إلا ممن هو عالٍ في النسب كالسادة والمشائخ ، وبهذا ظهرت مظاهر سيئة أخرى كالعنوسة في المجتمع, أضف إلى هذا مسلسل النزاعات الذي لا ينتهي وأحيانا تمده أطراف خارجية مستفيدة من النزاع القبلي ,ويكون الخاسر في الأخير أبناء القبيلة وهم أول من يحصد ثمارهذه الحروب الخبيثة.
الحـــــــرب أول ما تكون فتيه تسعى ببزتها لكل جهول
حتى إذا أشتعلت وثب ضرامها ولت عجوزا غير ذات خليل
شمطاء جزت رأسها فتنكرت مكروهة للــــــــشم والتقبيل
ثانيا : العصبية المذهبية:
في حضرموت اليوم مذهب واحد له السيادة منذ زمن, وينتمي إليه الكثير من أبناء حضرموت إلا وهو المذهب الشافعي ، فليس في حضرموت الآن أتباع للمذهب المالكي أو الحنفي ولكن يوجد من يتبعون الدليل ولا يتقيدون بمذهب معين بل يأخذون الحق من الجميع دون تعصب, وهؤلاء هم على الحق لان العبرة بالدليل وليس بأقوال الرجال, والى هذا نادى الأئمة الأربعة-رحمهم الله – أتباعهم وحذروهم من التعصب المذموم ، وقد جرى من التعصب المذهبي الكثير من المشكلات والنزاعات بين المسلمين, بل لقد أدّى التعصب هذا إلى أن كفّر بعضهم بعضا ورفض بعضهم الصلاة خلف بعض(وافتى بعض فقهاء الشافعية ببطلان صلاة المقتدي الشافعي وراء امام حنفي) ومنعوا من تزويج بناتهم من بعض فقد منع الفقهاء الاحناف تزوج الحنفي من شافعية وكم دمرت قرى بسببه وقد ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان عن مدينة أصفهان فقال (( وقد فشا فيها الخراب من نواحيها لكثرة الفتن والتعصب بين الشافعية والأحناف والحروب المتصلة بين الحزبين فكلما ظهرت طائفة ذهبت محلة الأخرى وأحرقتها وخربتها لا يأخذهم ي ذلك إلاً ولا ذمة ...)) . والتعصب المذهبي من الاسباب الخطره في سقوط المسلمين وغلبة اعدائهم
ونقل الذهبي في ترجمة قاضي دمشق الحنفي محمد بن موسى البلاساغوني قوله (( لو كان لي أمر لأخذت الجزية من الشافعية ))
وبلغ الأمر ذروته في التعصب إلى عدم تقليد الإمام في الصلاة وقد حصل هذا عندنا في حضرموت خصوصا إذا ترك الإمام القنوت لصلاة الفجر مخالفا للمذهب الشافعي في استحبابه, فيتعصب بعض المأمومين على مخالفة الإمام والقنوت لأنفسهم وهذا مما يحزن القلب وهذا والله من التفرق والاختلاف!, وقد كان التعصب المذهبي سببا في انصراف بعض من يبحثون عن الحق والإسلام فرفضوا الإسلام لمّا شاهدوا الخلاف بين أتباعه .حتى وجد الاختلاف في المسجد الواحد اذ توجد فيه اربعة محاريب يصلي فيها ائمة متعاقبون حسب المذاهب الاربعة وتجد الناس ينتظرون امامهم بينما هناك امام اخرقائم يصلي!
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين حول التمذهب بمذهب معين؟
أجاب رحمه الله (( التمذهب بمذهب معين إذا كان المقصود منه أن الإنسان يلتزم بهذا المذهب معرضا عما سواه سواء كان الصواب في مذهبه أو مذهب غيره وهذا لا يجوز وهو التعصب المذموم ، إما إذا كان الإنسان ينتسب إلى مذهب معين لينتفع بما فيه من القواعد والضوابط ولكنه يرد ذلك إلى الكتاب والسنة وإذا تبين له الرجحان في مذهب آخر ذهب إليه فهذا لا بأس به, والعلماء المحققون كشيخ الإسلام وإضرابهم من هذا النوع هم محققون ولهم مذهب معين ينتمون إليه لكنهم لا يخالفون الدليل إذا تبين لهم .

ثالثا : العصبية الحزبية :
لم تعرف حضرموت العصبية الحزبية السياسة بشكل أوسع وكبير إلا بعد الثورة اليمنية 1963م ومن ثم عملت الأنظمة المتعاقبة على الحكم على التعددية الحزبية التي جرّت البلاد إلى مزيد تفرق وتمزق ، وللعلماء على تتابع القرون أبحاث وتقريرات مهمة في رفض الحزبية المميزة عن منهاج النبوة باسم أو رسم فمنهم الشاطبي وابن تيمية وابن القيم والمقريزي والطاهر بن عاشور والشنقيطي والبشير الإبراهيمي وقد نقل الشيخ بكر أبو زيد كلمة عظيمة للبدوي رحمه الله قال فيها ((لوعرف المصلح السياسي إن تحزيب الأمة وجعلها شيعا تتقاتل في سبيل حزبيتها وتنسى بذلك التحزب مصالحها ومرافقها ، هوسنه عدو الله فرعون القدوة السيئة في الاستبداد والمثل الواضح في الطغيان والظلم لو عرف الناس ذلك لعلموا أن هذه الوسيلة هي التي يلجأ إليها الغاصب في تثبيت قدمه وتمكين سياسته بخلق في الأمة الأحزاب ويغذي فيها معنى الحزبية بأساليبه الشيطانية...)) .
وفي هذا الزمن خفت حدة التعصب للعقائد والمذاهب في بعض البلاد لكن الداهية الدهياء والضلالة العمياء والطامة الكبرى انه قد خلفها ما هو شرمنها وهو التحزب السياسي الوريث الجديد .
ومن شؤم العصبية الحزبية أنها سخّرت اليوم المساجد والمنابر والدعوة لخدمة أهدافها الحزبية وتحقيق غاياتها السياسة في الانتخابات مع أن الله دعانا للجماعة وحذرنا من التفرق في أكثر من آية قال تعالى ((وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً...)) . آل عمران فالله عز وجل يريدنا أن نكون حزبا واحداهم حزب الله المفلحون ولكن العالم الإسلامي بعد ما غزته أوربا سياسيا وثقافيا يخضع لهذه العصبيات الوطنية والحزبية ,والتعصب الحزبي يسبب رفض الحق الذي مع الآخرين كحال من قال الله فيهم ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ{170 ...)) البقرة
ومع كل حزب يحكم تنافسه أحزاب أخرى يعيشون بينهم في خصومات سجال ، ولوعلم أعداء الإسلام أن في هذه الأحزاب والجماعات خيرا للأمة لحاربوها ومنعوها لكنهم واثقون إنها سبب في تفريق الأمة ولذا يعملون على تزايدها وضربها ببعض .
حتى صار الولاء والبراء والمحبة والعطاء يعقد على أساس حزبي ضيق فزادوا الأمة آلاما فوق آلامها .
رابعا : العصبية المناطقية :
جهلاً عمت بعض مناطق حضرموت عصبية على المناطق والمدن مع أن الجميع يسكن أرضا واحدة لا يفصلها بحر ولا محيط, وقد بقيت هذه العصبية تتأرجح بين عدد من المناطق بعضها قديمة والأخرى جديدة, والمحزن أن تصل إلى الاشتباكات على أساس مناطقي فمعظم المناطق لها ألقاب أو امثال يعتبرها بعضهم عيبا في حقهم ولا يرضون بالسكوت, فتكون البداية تراشق بالخصومات ومِراء والنهاية نزاع وصدام ومثل هذه المناطق :-
1- شبام مع سيئون(حساسية وتنافس سجال بين المنطقتين من ايام السلطنات ).
2- السويري مع الريضة(من مديرية تريم) .تصل احيانا الى المصادمات وتفرقهم الشرطة
3- الصيقة مع البلاد بمديرية ساه .
4- تريم مع دمون (حساسية من ايام السلطنات).
وقل مثلها في كثير من المناطق الحضرمية الأخرى وأحيانا تضيق الدائرة فتنشب حروب ليس بين مناطق وإنما بين حارات في منطقة واحدة ، فيحرّم أبناء هذه الحارة أو الحافة من الدخول للحارة المجاورة مثل: الحارات في تريم وحافات لعبة الشبواني في سيئون ويصل أحيانا إلى المصادمات بالهراوات والعصي عند اقتحام احد فرق الحافة حدود الأخرى ، وبهذا غابت أخوة الإسلام وتقلص ظلها في ظل هذه العصبيات المنحرفة ويحق لي أن ابكي حرقة على حال بلدي التي نهشتها العصبيات !.
خامسا : العصبية الرياضية:
لم يكن حلما ما سمعناه بالأمس القريب من حقد وبغضاء ومصادمات بين منتخبي مصر والجزائر حتى تعكرت العلاقات بين دولهما وراح احدهم يهدد الأخر: حتى خفنا أن تنشب حربا بين المسلمين تعصبا للرياضة ، وفي حضرموت قل مثلها مصادمات ونزاعات تفرقها أحيانا رجال الأمن تعصبا للرياضة,فالكل يتعصب لفريقه ويوالي ويعادي من اجله .
ويستعد أن يضحي بأي شيء لأجل الرياضة,وقد كانت هذه العصبية مقصورة بين الشباب واليوم تتطورت حتى وصلت إلى الأطفال والطلاب والكبار بل والنساء وخصوصا المتعلمات والفضل يعود للقنوات الفضائية فصارت من بنات المسلمين من هي اتحادية والأخرى هلالية والثالثة نصراوية مع ان قضايانا المصيرية مع النصارى واليهود تغيب عن كثير من شبابنا ,وربما لم تلق منهم تشجيعا أو اهتماما .
اناشدكم بالله والقران ياجــــــيل الكرة
أعلمتم ان اليهود على الديار معسكرة
أيسجل التاريخ انا امة مستهــــــــــترة
شهدت سقوط بلادها وعيونها على الكرة
والان سنقف مع بعض امثلة لاضرار التعصب الرياضي في العالم:
1-قيام حرب استمرت 100 ساعة بين هندوراس والسلفادور وانتهت باكثر من 4000قتيل و10000مشوّه و120الف مشرد ودمار مئات البيوت والمنشات التي تزيد قيمتها على ثمانية مليارات دولار
2-مبارة البرازيل والبيرو سنة 1964م ادّت الى مقتل 300 مشجع.
3-وفي مباراة سنة 1994 تمّ قتل اللاعب الكولومبي لانه سجل هدفا عن طريق الخطأ في فريقه

سادسا : العصبية الفكرية :
إنها العصبية لفكر أولشيخ او لرأي معين على حساب الحق ,وهذا شأن بعض المتعصبين اليوم من أتباع الطرق الصوفية إذا دعوا إلى الحق احتجوا بمشائخهم وطرقهم المحدثة .
واليوم في حضرموت عمّت فتنة الحواضر والبوادي ومزقت أهل السنة وأدخلت بعض السلفيين في تراشقات وخصومات ولا يخفى أن هناك أطرافا مندسة حسدت اجتماع أهل السنة والتفاف الناس حول دعوتهم فسعت في رمي الحطب لإبقاء هذه النارمشتعلة فوصلت كل سني منها شرارة,وهو ينظر إلى تقاطع إخوانه وتمزقهم واشتغالهم بالردود على بعضهم البعض ,ووجدت الصوفية في حضرموت والحزبية متنفسا وهي تشاهد هذه الخصومات ، إنها فتنة سرّت العدو وأحزنت الصديق, واستمرت هذه الفتنة منذ سنوات نكتوي بنارها, خصوصا بعد ما فقدت اليمن العالم الرباني : الشيخ مقبل بن هادي الوادعي –رحمه الله- وبوفاته ثلمت الدعوة في اليمن وصار في الفؤاد صدع لم ينجبر برحيله.
واني كسنيٍّ أقولها بمرارة وألم متى ستندمل جراحنا ؟ متى سنتعانق؟ كلما طلعت الشمس رفعت يدي وسألت ربي ان يجمع كلمة أهل السنة في حضرموت خاصة وفي اليمن وبلاد المسلمين عامة :
والله يعلم ما قلّبت سيرتهم ××× يوما واخطأ دمع العين مجراه


المبحث الثالث
الطبقات الاجتماعية في حضرموت
لقد سوّى الإسلام بين أفراد المجتمع المسلم وأكدّ على العدل بينهم ولم يعترف الإسلام بما يسمى ]الطبقات[فالجميع متساوون في الحقوق والواجبات ولا فضل لأحد على أخيه إلا بتقوى الله ، وحقيقة فالإسلام بريء من هذا التقسيم والتصنيف للمجتمع إلى طبقات وجماعات حسب النسب والجاه والقبيلة ... وهذا التقسيم في حد ذاته تفكيك للمجتمع المسلم من الداخل ويعتبر إعاقة بين تقارب المسلمين ، وفي حضرموت تمّ هذا التقسيم على مجرد أهواء وأساطير ينكرها الشرع والعقل وهذا التقسيم يعود بالظلم على بعض الأفراد فقد مكّن طبقات مستعلية من ظلم بعض الضعفاء, وطبقات أخرى منحها الغرور لان هذا التقسيم ليس لمجرد التعارف وإنما وضع للتفاخر والاستعلاء وعلى أساس هذا التقسيم أصبح جميع المجتمع متضرر منه ، فالأسر المستعلية أوجد تنافسا وحسدا داخلها :
حسد القرابة للقرابة قرحة××× تدمي عواندها وجرح أقدم
والطبقات المتدنية تعاني ظلما من هذا التقسيم الظالم فالحل للجميع من هذا المأزق هو: الالتفاف حول مبادئ الإسلام السمحة التي دعت للأخوة على اساس الدين لا على النسب .
وألان سنقف حول طبقات المجتمع في حضرموت من الأعلى إلى أدنى – حسب نظر المجتمع – وهم كالأتي :
ا) السادة 2) المشائخ 3) القبائل 4) المساكين
ولا يخفى أن هذه الطبقات تنقسم داخلها إلى فئات أيضا ربما لا تخلو منها طبقة .
أولا السادة :
ينتسب السادة في حضرموت إلى احمد بن عيسى المهاجر -رحمه الله- الذي يعود نسبه إلى الحسين بن أبي طالب - رضي الله عنهم – ويعتلي فوق قمة السادة فئة تسمى نفسها ]المناصب[ وهم أقطاب الصوفية في حضرموت وأسسوا لهم الحوط كمراكز لنفوذهم الروحي ,ومن خلالها هيمنوا على بقية فئات المجتمع وصاروا في حماية القبائل وشكلوا لهم سلطة روحية من القبة والبيرق بجانب سلطة القبائل المساندة لهم ووصف الكاتب صلاح البكري هذه السلطة بقوله : (( إن سلطتهم تشبه إلى حد كبير سلطة مشائخ الصوفية وأرباب الطرق والمقامات في مصر وغيرها من البلاد الإسلامية ولقد أكسبتهم هذه السلطة حب الشهرة والظهور بمظاهر الكبرياء والترفع عن غيرهم من طبقات الشعب وعدم التنازل لهم وهم يرون أن كل شخص منهم يجب ان يحترم ..ويفضل على غيره سواء أكان هذا الشخص كبيرا أو صغيرا عالما أو جاهلا عاقلا أو معتوها ويغضبون إذا نودي احدهم بكلمة – يا أخ – إنما يجب أن تناديه يا حبيب أو يا سيد والعلوية والشريفة وهم يرون أن تلك الكلمات التي تدل على التعظيم يجب أن تكون بهم دون غيرهم من الطبقات الأخرى ويريدون من غيرهم تقبيل أيديهم عند المصافحة وان يكون لهم في المجالس المقام الأكرم والمكان الأعلى ولا يجوز عندهم ان يتزوج غير العلوي من العلوية ويعدون ذلك حراما بينما يتزوجون بنات غيرهم ...)) .
وفي فترات قاتمة من الماضي استطاعت هذه الطبقة من وضع يدها على التعليم واحتكروه في طبقتهم دون بقية أفراد المجتمع خصوصا المساكين ولهذا تخرج الكثير من أبناءها شعراء ومؤرخين وصحفيين بارزين ,علما أن صفة التصوف تغلب على أكثر هذه الطبقة ، ومن رحمة الله انه تخرّج منها رجالا من دعاة أهل السنة حاربوا التصوف ونبذوا تقاليد الآباء والأجداد القائمة على الاستعلاء ومنهم الشيخ : أبوبكر بن هدار الهدار في عينات وغيره...
ثانيا : المشائخ:
هم الفقهاء من أهل السنة في حضرموت سابقا وقد سحب السادة بساط العلم من تحت أقدامهم وجردوهم من بعض المزايا ، يعيش بعض هؤلاء المشائخ في المدن وبعضهم لا يزال في البوادي والأرياف ومنهم مثلا :
1) آل بافضل 2) آل باوزير 3)آل الخطيب 4)آل العمودي 5) آل باكثير 6)آل باعباد
وبعض هؤلاء المشائخ يشترك مع السادة في التصوف ومنهم :آل بافضل والخطيب في تريم وآل باعباد في الغرفة .
ثالثا : القبائل:
القبائل هي: التي يجمعها نسب واحد وهي كثيرة في حضرموت منها :
1) الشنافر 2)نهد 3)تميم 4)الحموم 5) الصيعر 6) العوابثه
7) المناهيل 8) الدين 9) سيبان 10) نوح 11) بني مرة 12) قبائل يافع.
وتجد كل قبيلة منقسمة على نفسها إلى فخائذ واسر تتصارع داخل مثاويها ,وتظلم العزّل من المساكين ويسمى أصحاب هذه الطبقة في حضرموت ((القبيلي )) ومعروف أن كل قبيلة في حضرموت لها شيخ تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه ولهم عادات وتقاليد وتشريعات قبلية معروفة عندهم, والقبيلي-حسب نظرهم- يشبه الحجر الصلب الشديد وغير ((بالمدرة)) التي تذوب بسهولة لأنه اعزل من السلاح , وتكون الحمية القبلية في البوادي أقوى منها في المدن واليوم بعض القبائل أصبحت من سكان المدن تماما وفي فترات سابقة شهدت بعض الطبقات المتدنية اضطهادا مارسه عليهم بعض هؤلاء, أما اليوم فالحال تغير لان الجميع يستطيع أن يدافع عن نفسه .

رابعا : المساكين أو الحضر:
هم اقل طبقات المجتمع وينقسمون أيضا إلى فئات وشرائح متعددة بعضها أعلى من بعض علما أن بعض هؤلاء تعود أصوله إلى قبائل عريقة مثل : كندة وبعضهم من المشائخ وبعضهم ضعفت قبيلته وكثير منهم أصحاب مهن وحرف وزراعة .
واقل فئات هذه الطبقة العبيد والأخدام بعضهم جلبهم السلاطين من إفريقيا لحمايتهم وخدمتهم ,ويتحدث صلاح البكري على الظلم لهؤلاء وهضم المجتمع المتسلط لحقوقهم بقوله : (( لقد بلغ امتهان أولئك المتغطرسين بالزراع أن سموهم( الضعفاء[ وهم جدير أن يسموا (الأقوياء[ لأنهم العمود الفقري للبلاد وهم أكثر الطوائف الحضرمية منفعة للناس لكنهم لا يلاقون احتراما من بقية طوائف المجتمع لاسيما حملة السلاح والروحانيين المتغطرسين ليس لأنهم زراع فقط بل لأنهم لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم ولا طاقة لهم بأخذ الثأر لتجردهم من السلاح...)) .





المبحث الرابع
العصبيات وحكومات حضرموت
في هذا المبحث سنعرج على ثلاث حكومات متوالية تعاقبت على حكم حضرموت وهن :
1- حكم السلطنات .
2- حكم الحزب الاشتراكي .
3- ما بعد الوحدة والى يومنا هذا .

أولا : حكم السلطنات
في أبان حكم السلطنات الكثيرية والقعيطية لحضرموت كانت العصبية القبلية جذعة ، ومارس بعض المتعصين الجرائم والظلم ، وذلك للأسباب التالية :
1- انتشار الجهل في معظم أفراد المجتمع .
2- تقسيم حضرموت سلطنات ثم إلى قبائل ثم إلى مناطق كثيرة متناحرة .
3- أن حكم السلطنات كان محابيا للقبائل والسادة أساسا , فهو حكم قبلي , وبذلك حظيت القبائل مع السادة بالكثير من المزايا خصوصا قبائل السلطنات حتى وصل (( أن السلطان يعطي أرضا هدية لاحدهم على مدى ضربة البندق )) فيحوز هذا مساحة كبيرة يلتهم فيها السهل والجبل وفي وقتها كان بعض المساكين في بعض مناطق تريم المجاورة يعيشون في جحور مع أولادهم ويمنعون من بناء بيت صغير لهم .
وفي أبان الفوضى القبلية في عهد السلطنات تمّ خطف بعض الأطفال والأحرار وبيعوا بثمن بخس إلى بعض الأثرياء في خارج حضرموت .
وكان ضحية هذه العصبيات الإنسان الضعيف , أضف إلى هذا الكثير من الحروب والقتل الذي نال حضرموت هناك وهناك, وبهذا الانفلات حرمت حضرموت من العلم والاستقرار: .
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ××× ولا سراة إذا جهالهم سادوا
ثانيا : حكم الحزب الاشتراكي :
بعد سقوط السلطنات القبلية في حضرموت بثورة أكتوبر 1963م , تشكلت حضرموت ضمن جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية في 30/نوفمبر/1967م وبعدها تصارعت عدد من الأحزاب لمسك زمام الحكم , استقر الأمر في الأخير للحكم الاشتراكي ذي الفكر الشيوعي المنحرف وبعد أن وقف هذا الحزب على قدميه بدأ في تصفية شركاءه في السياسة ثم استدار على القبائل والتجار والعلماء ... بعصا غليظة , وتعرّض هؤلاء إلى سجن وقتل وسحل وسفك للدماء, وسحب سلاح القبائل وجردها من القوة وملأ حياتها رعبا وإرهابا, وسعى هذا الحزب إلى القضاء على جميع القوى التي أمامه في الساحة ,وسعى الى أن يعيد بناء المجتمع من جديد و الحقيقة انه نجح نجاحا باهرا في الهدم ولكنه فشل فشلا ذريعا في إعادة البناء ,وفي عهده المظلم سحبت وسلبت الكثير من الحقوق وفي 1972م صادر الممتلكات وأممّ الأرض والعقار وحارب الدين وانتهك الحرمات وأشاع الزنا والفواحش والخمور وأذل أعزة أهل المجتمع , حتى فرج الله بزواله وسقوط دولته الكبرى روسيا .
وعانت حضرموت في عهده أقسى وأعتى الظلم وصار كابوسا يؤرق خصوصا مضجع القبائل ويحلمون أن لا يعيد التأريخ نفسه مع هذا الحزب .
ثالثا : الوحدة اليمنية:
حقيقة أن الوحدة منذ قيامها سنة 1990م والى الآن لم تستطع ان تقضي على هذه العصبيات , بل بالعكس تماما بقيت الفجوة والفرقة تثور نيرانها بين حين وآخر, وكان الأمل في الله عظيما ثم في تلاحم الشطرين أن تعود المياه إلى مجاريها وان تدفن العصبيات إلى الأبد ,فبعد أن اطمأنّ القبائل إلى كسب الحكومة في صفهم – لأنها حكومة قبلية – بدأ يعود مسلسل التصفيات والثأرات القبلية, وبدأ القبيلي يسترجع سلاحه الذي سحب منه بالأمس لينظر شزرا إلى هؤلاء المساكين الذين بالأمس رفعهم الحزب الاشتراكي , ونادى القبيلي أخاه المسكين : هلم إلى النزال وعادت الجاهلية في عصر الوحدة وبدأ تظهر الصدوع في جدار المجتمع الحضرمي بعد أن عادت القبلية منتقمة من جديد وظهر أسوأ ثمارها القتل والسلب والثأر, وصار القبيلي اليوم ينظر بحقارة إلى المسكين ويناديه : يا ضعيف (ياجعيل) وتقاطرت دماء المسلمين رخيصة بسلاح بعضهم, والحكومة ساكتة لا تحرك ساكنا وهذا ما يدمي القلب ويحز في النفس ألما , كيف لا ؟ ونحن أمة شرفها الله بالإسلام والقرءان كيف نتناحر ؟ أم كيف نتقاتل ؟ وهذا كتاب الله وسنة رسوله بين أيدينا غضا طريا, وهؤلاء طلبة العلم والدعاة يملئون المساجد , إلا أننا بالرغم من ضباب الجو نتفاءل أن يجمع الله القلوب ويزيل هذه النعرات في وقت قريب .












المبحث الخامس
أســباب العصــبــية
جدير أن نعرف أن العصبية في حضرموت غذّتها بعض العوامل, وساعدت في تطورها وتفاقم خطرها والاسباب كثيرة ومتنوعة وساعدت في إبراز وجه العصبية القبيح ومن ابرز هذه الأسباب :
أولا :الشيطان الرجيم :
انه الشيطان العدو الأول للمسلمين ,وهو أول من دعا إلى العصبية ويسعى للفساد بين العباد قال تعالى )) :. وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً{53}..))الاسراء ويقول عليه الصلاة والسلام ((ان الشيطان قد ايس ان يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم )) والعصبية نار تحرق المجتمعات والشيطان دائما يدعو إلى أصله الناري فكل من دعا إلى العصبية فهو سائر على خطا الشيطان الرجيم , فهل آن لأمة الإسلام أن تتعظ وان تتذكر ؟ قال تعالى )) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ{37)
ثانيا : الجهل:
هو سبب آخر من أسباب تفاقم العصبية , اذ لا تصدر غالبا الا ممن غلبه الجهل , وعندما سيطر الجهل في حضرموت في عقود ماضية , استطاع المتعصبون ان يضحكوا على عوام الناس والسذج منهم ويسخرونهم في خدمتهم , فقد استشار الشيخ علي باراس يوما الحبيب عمر بن عبد الرحمن في الحج فقال له الحبيب عمر : قربة ماء تأتي بها لأولادي خير لك من ستمائة حجة وعمرة مقبولة !! .
واستطاع هؤلاء المتعصبون أن يحيطوا أنفسهم بهالة من التقديس , يقدمه لهم أصحاب الطبقات الأخرى وهناك مزاعم عند بعضهم سابقا أن تقبيل يد العلوي تبرئ من البرص والجذام وجميع الأمراض الخطرة, لذلك يصافح هؤلاء أيدي العلويين تبركا حتى وصل إلى بصاقهم يتداوون به !! .
ثالثا : الاحتلال الأوروبي:
لم تنس حضرموت تمزيقها يوما على يد المحتل البريطاني , الذي نهب الثروات واستخدم مع السلطنات والقبائل مبدأ (( فرّق تسد )) وفي جميع بلاد المسلمين طبق هذه السياسة الماكرة , وبحيل ابليسية استطاعت بريطانيا أن تمزق حضرموت إلى سلطنات متناحرة وقبائل متقاتلة وهي تصب الزيت على النار وتقف مع هذا مرة ومع ذاك مرة أخرى حتى غرقت حضرموت جهلا وتخلفا وعزلة , وعاشت بريطانيا ما يزيد على قرن لم يحاربها احد لان الجميع مشغول عنها, وإذا حاول احد خلع الطاعة بادرته طائراتها بالقنابل وهذه هي سياسة واحدة للاحتلال في كل بلاد المسلمين إذلال الشعوب واذهاب لثرواتها على مرأى ومسمع ولعل ما حدث في عراقنا السليب ليس عنا بجديد وبعيد! .
رابعا : الفتاوى الشاذة :
لم تسلم حضرموت من بعض الفتاوى الشاذة في الدعوة إلى إحداث فجوات في المجتمع , وتعزيزا للعصبيات ومنها فتوى الشيخ عمر بن سالم العطاس بتحريم زواج العلوية لغير العلوي ولو رضيت ورضي أهلها , وذلك عندما تزوج هندي مسلم بعلوية في سنغافورا سنة 1905 م وحدثت ضجة كبيرة وهاج العلويون وأضرموا نار العصبية وعندما أفتى احمد السوركتي بجواز زواج العلوية من غير العلوي شنوا عليه حربا وآذوه .
خامسا : بعض الأمثال الحضرمية :
هناك أمثال حضرمية صيغت بعضها بلهجة متغطرسة , أصبح لها دور في تأجيج , العصبية وهي كثيرة منها مثلا :
1- من قلّت رجاله يصلي .
2- الثأر أو العار .
3- ادع بالباطل يأتيك الحق .
4- القبيلي ما يموت مظلوم .
5- تبخسس تسلم .
6- مخطئ مع الجماعة ولا مصيب وحدي .
7- مع شيخ قبيلتنا ولو إلى النار .
8- على العز ندخل جهنم .
9- العبد عبد ولو طوقته بالذهب .
10- من شاور ما قتل ....وغيرها كثير
سادسا :الشعر الشعبي(العامي):
للشعر الشعبي او العامي في حضرموت دور في تهييج العصبيات , وبعض الشعراء يحمل الحقد والاحتقار لبعض الناس ,وهذا له دور في إثارة العصبيات الراقدة , ذكر ابن عبيد الله السقاف في معجم بلدان حضرموت قصة خلاصتها : أن رجلا من قبيلة حضرمية لم يأخذ بثأره من القاتل وكان هناك شاعر جريء اللسان لا يشهد حفلا الاغمزه بشيء من الشعر , توعده بقطع لسانه ولكنه عاد حتى عيّر أصحاب هذه القبيلة صاحبهم في عدم الأخذ بالثأر فاستأجر من أهل النجدة وفيهم ابنه فذهبوا إلى مكان المطلوب وقتلوه فاحتملوه إلى أبيه في زف كبير فحضر هذا الشاعر وألقى ما يحموا بوادره السابقة ومر معنا المصادمات بالهراوات بين فرق الشبواني إذا دخلت احد الحافات حدود الأخرى .
ومن امثلة اثارة الشعر العامي للعصبية و النعرات بين المناطق قول الشاعرذاماً منطقة تاربة:
كل نفس للمعالي راغبة*****الا نفس سكنت في تاربة
والاخريذم غيل عمر قائلا:الغيل وادي ويل من حل فيه يرجع بالندم**لولا عمر فيه بدعي على نخله بالجذم
سابعا : التصوف :
للتصوف دور مشبوه في إشعال نار العصبيات في حضرموت, فقد سارع إلى بناء القباب والتوابيت على قباب كبار الصوفية تمييزا لهم عن غيرهم , ودعوا الناس لزيارتها والتبرك بها وبترابها , ومنح التصوف قدسية خاصة لأتباعه أحياء وأمواتا , ومنها التبرك بحصاة الفقيه المقدم التي كان يضع حذاءه عليها فاكتسبت هذه الحصاة قدسية فكلما مروا أمامها يتبركون بها ويتمسحون بها واليوم اندثرت هذه العادة , ويوجد من المتصوفة من عنده نزغة عصبية جامحة ونعرة طائفية طائشة , فهذا المؤرخ الحضرمي علوي بن طاهر الحداد ألف كتابه (( القول الفصل فيما لبني هاشم وقريش والعرب من الفضل )) في مجلدين كبيرين تعصب فيه لأهل البيت تعصبا أعمى ومثله أيضا عيدروس بن احمد السقاف في كتابه (( شواهد التنزيل لمن خص بالتفضيل )) الذي رحب به الشيعة وطبع عن طريق ((المجمع العالمي لأهل البيت )) في قم بإيران وأضاف الكاتب عبارات تشيع للإمام علي رضي الله عنه .
ثامنا : الانتخابات :
الانتخابات إحدى مظاهر الديمقراطية المزيفة في الدول العربية وغيرها , ولكنها أحدثت فرقة بين المسلمين , وتعادى الإخوة من أم وأب تعصبا لها , وبسببها حدثت المصادمات بين المسلمين أضف إلى هذا القطعية التي أحدثتها بين المسلمين مع بعض المفاسد الأخرى , فهذا يرفع شعارا ضد هذا وذاك يقذف هذا تعصبا لحزبه , ودفعت فيها الأموال الطائلة في الدعاية ودعم المرشحين بالرغم ان كثيرا من شعبنا يعيش في فقر مدقع .
تاسعا : ضعف التوجيه في حرب العصبيات :
تكاد تحكم على بعض وسائل الإعلام في بلادنا بالعمى لما يجري من حروب وثأرات سببها العصبيات, وهي لا تحرك ساكنا ولا شك أن الإعلام له دور في توعية المجتمع من أخطار العصبيات , كما لا ننسى أيضا دور المساجد والمدارس والمراكز الثقافية في التحذير من هذا المرض الخطير ونحن نتفاءل انه لو تعاون الجميع لجاء بثمار طيبة للمجتمع .

عاشرا : الرياضة:
لن ننكر أن الرياضة لها دور في قيام العصبيات خصوصا أن لهااليوم محبين وأنصار كثر وصلت بهم إلى حد التعصب , والى جانب الرياضة قل مثلها في بعض المنافسات والمسابقات التي تحرك العصبيات الراقدة ,مثل ((شاعر المليون)) في بعض الدول المجاورة وقد تضررت منها هذه المجتمعات لما لها من دور في تهييج العصبية وإثارة الحماس على أساس قبلي أو طائفي .

الحادي عشر : انتشار السلاح:
في أي مجتمع ينتشر فيه السلاح بكل أنواعه يخلّف الكثير من المآسي والضحايا , ونحن في اليمن نعيش على قعقعة السلاح , حتى أصبح منظرا مألوفا وأصبح الحصول على السلاح امر في غاية السهولة , إذ توجد أسواق لبيع السلاح بدءا من الرصاصة وانتهاء بالقنابل وقذائف الهاون , واصبح حمل السلاح عند بعضهم علامة على الشهامة (( والقبولة)) وقد جرّ على مجتمعنا الكثير من الويلات والحروب بين القبائل حتى أن بعض العقلاء ينادي : أوقفوا نزيف القبائل في مناطق غابت منها الحكومة وحضرت فيها العصبيات!!.
ورحم الله أيمن بن خزيم الأسدي عندما قال :
ولست بقاتل رجلا يصلي ××× على سلطان آخر من قريش
له سلطانه وعلي إثمي ××× معاذ الله من جهل وطيــــــش
أأقتل مسلما من غير جرم ××× وليس بنا فعي ما عشت عيشي
المبحث السادس
مــظاهـر العــصـبـيـة
عندما ظهرت العصبية في حضرموت أحدثت صدوعا في الجدار الاجتماعي وفتحت على المجتمع العديد من المظاهر السلبية التي اخذ بعضها يتنامى وبعضها الأخر يتلاشى
وستقف مع أهم هذه المظاهر :
أولا : الطعن في الأنساب والفخر بالأحساب :
وهي كما سبق من عادات الجاهلية التي ظلت متوارثة إلى الوقت الحالي , مع أن الإسلام حاربها وحذر منها إلا أنها ظلت حية بين المسلمين كما اخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم ((( أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر في الاحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة...))
وفي حضرموت بلغت هذه العصبية مبلغا عظيما فالقبيلي يحتقر المسكين ويصفه ب(( الضعيف )) و((الجعيل )) و(( البخسوس )) و(( كحيان)) ....
وينظر القبيلي إلى نفسه بأنه العالي والرفيع, وهناك من الحضارم من يحتقر البعض لمهنته فبعضهم يحتقر البقّار – عامل النظافة -الدباغ ... وأحيانا يصل الاحتقار والازدراء حتى بين أبناء الأسرة الواحدة كما حط بعض العلويين من شأن ((آل بوفطيم )) وهم من السادة مثله فانبرى ابن عبيد الله السقاف يدافع عنهم ,واحدهم من السادة يفتخر على بقية السادة بقوله:
حامدي حامدي ××× مانا كاف ولا خرد
حامدي وترباه رخيه ××× ند عشرة يهد
يفتخر بأنه من آل الحامد وليس من أسرة الكاف (اصحاب الثروة)اوالخرد, وانه تربى في بلدة رخيه ويستطيع مقاتلة عشرة من الرجال ويتغلب عليهم !!
وفي حضرموت قامت حروب بين فخائذ من قبيلة واحدة كل ذلك تعصبا وفخرا , فالفخر بالآباء والقبيلة وغمز الآخرين والطعن فيهم وأنهم لا يساوونه في النسب مرض فتاك يشعل العداوة ويفرّق الجماعة ويؤدي إلى تمزيق المجتمع .
ثانيا : التنازع والتفرق :
قال الله تعالى )) وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ{46} ...))الانفال اية 46 فالتنازع يسبق التفرق وكلاهما داءان خطيران والتفرق من أسوأ مظاهر العصبية, فالله في كتابه دعا إلى الاجتماع وحذّر من التفرق بل أمر بهدم مسجد الضرار لان هدفه تفريق المؤمنين قال تعالى: ((وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ{107}...)) التوبة اية107
ولو نظرنا إلى العصبية الحزبية لوجدناها بابا للفرقة, والفرقة هي أول معول يضرب في وحدة الأمة وتما سكها ,فان تعدد الأحزاب سبب للهزائم المتوالية لأمة الإسلام وأنّى لأمة مفككة أن تصمد أمام الأعداء؟ .
والتفرق هو قرة عين الشياطين من الإنس والجن لأنهم يعلمون أن التفرق يفتّت القوة والواجب علينا أن نكون امة واحدة وكلمة واحدة ,فالصحابة اختلفوا في بعض المسائل لكنهم لم يتفرقوا ولم يهجر بعضم بعضا ولم يحصل بينهم العداوة والبغضاء .





ثالثا : السُخرة الاجتماعية :
هي استخدام الإنسان باكراه ودون مقابل, وهي مظهر آخر من مظاهر العصبية ,وإذلال واحتقار لبعض المسلمين من المساكين العوام , وفي زمن بائس في حضرموت سُرِقَ بعض الأحرار وبيعوا بثمن بخس يقول صلى الله عليه وسلم : (( قال الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة : رجل أعطى به ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره )) وذكر ابن عبيد الله السقاف ان احد القبائل كان يخطف صبيان المساكين ويبيعهم على بعض الأثرياء وهذه جريمة نكراء لا يقرها شرع ولا عقل ولا نخوة , وقديما قبل وجود السيارات كان المسكين يحمل بعض الأثرياء على هودج من تريم إلى شعب هود لمسافة طويلة لزيارة الضريح المزعوم لنبي الله هود وهي مثال على السخرة البشرية ويركب السيد على الحمار ويجري الخادم أمامه ليوصل حبيبه حيث يشاء .
رابعا : التعالي والكبر:
وقد بلغ بعض الطبقات من التعالي مبلغا تجاه إخوانهم المساكين ,حتى شهدت حضرموت يوما أن المسكين يمنع من التسمي ببعض الأسماء مثل ]حسن – حسين – علوي – مصطفى – هاشم -علوي-محمد...[ لأنها في نظرهم أسماء شريفة خاصة بطبقة واحدة من المجتمع , ووصل التعالي حتى في اللباس فالمسكين سابقا يمنع من لبس الثياب الجميلة وتمنع نساؤهم من لبس الحلي والذهب , وعندما لبس يوما مسكينا طاقية على رأسه سارع احد هؤلاء المتعجرفين فضربه على رأسه ضربة طارت الطاقية فخرج هذا المسكين من الحوطه وسكن الغرفة مظلوما مهضوما, ومثلها تكررت في الحزم بمدينة شبام بل سجن ذلك المسكين ثلاثة ايام تاديبا له, وفي وقت سابق كان الصف الأول وخلف الإمام وقفا على طائفة معينة لا يستطيع احد أن يقترب منه ولو جاء مبكرا, ومن شؤم التكبر انه سبب في رد الحق وغمط الناس وإذا دعوا للحق ردوه وقالوا (( عيال أمس))! .
خامسا : التمزق الاجتماعي :
من شر العصبية في حضرموت إنها في وقت من الأوقات كان بعض الطبقات العليا لا يشهد جنازة من هم اقل منه ,وإذا مرت جنازة سأل احدهم : من الميت ؟ أجابه الآخر : مسكين, ذهب ولم يشيع جنازته وغابت مع هذا الظلام نور أخوة الإسلام المتينة على أساس التقوى والإيمان .
يقول صلى الله عليه وسلم نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة( حق المسلم على المسلم ست: وذكر منها وإذا مات فشيعه ))
وبدوره حصل حاجز بين أفراد المجتمع لا يشارك الآخر أخاه فرحته وحزنه وحلّت العزلة , لا لشيء , إلا لان هذا قبيلي وهذا مسكين انه تصنيف ظالم جائر لا يقره دين ولا عقل .
سادسا :عدم التكافؤ في النكاح:
حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من رد أهل الدين والأخلاق وان لم يكونوا ذوي حسب يقول صلى الله عليه وسلم : (( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد )) .
فالدين والأخلاق هي الكفاءة والأساس في النكاح قال ابن القيم (( فالذي يقتضيه حكمه صلى الله عليه وسلم اعتبار الدين في الكفاءة أصلا وكمالا فلا تزوج مسلمة بكافر ولا عفيفة بفاجر ولا يعتبر القران والسنة في الكفاءة أمرا وراء ذلك ,فانه حرم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث ولم يعتبر نسبا ولا رضاعة ولا غنى ولا حرية,فجوّز للعبد القن نكاح الحرة النسيبة الغنية إذا كان عفيفا مسلما وجوّز لغير القرشيين نكاح الهاشميات وللفقراء نكاح الموسرات )) .
وفي حضرموت والى زماننا هذا يمنع المسكين من زواج القبيلية لأنها أعلى منه نسبا والقبيلي يمنع من زواج الشريفة لأنها أعلى منه نسبا ,وأما الشريف فله أن يتزوج من جميع الطبقات الأخرى وهذه التقاليد في وادي حضرموت اشد صرامة منها في الساحل الأكثر ليونة ووعيا بخطر هذه العادة , ورأيت في بعض مناطق البادية البعيدة تمنع السادة من زواج بناتهم من أبناء القبيلة تمسكا بعادات المدن في الوادي وان حصل زواج لبناتهم مع قبيلي فهو قليل جدا , وهذه العادة أحدثت فتيات عوانس كثر تمنع من زواج الرجل الصالح لأنه ليس نسيب !! وهذا ينذر بخطر على أخلاق المجتمع إذا أوصدت أبواب الحلال .
المبحث السابع
أضرار العصبية في حضرموت
استطاعت العصبية في حضرموت أن تنفث سمومها وتهدد استقرار المجتمع وان تكون حجر عثره أمام التقارب بين أبنائه ,وأن تسهم بشكل أو بآخر من تحطيم أواصر المجتمع ولن ينكر احد أن للعصبية أضرارا كثيرة بعضها شر من بعض ومنها :
أولا : الحروب والثأرات:
لو نظرت اليوم إلى مدن حضرموت لرأيت الحصون والقلاع بقيت شاهدة على حروب لقبائل جمعتهم الأخوة ومّزقتهم العصبيات , وفي ظل هذه العصبيات طاش عقل القبائل وغلبه الهوى فراحوا يتقاتلون في حروب وثأرات تلتهم الرجال, ومن هذا الطيش أنهم لا يقتلون القاتل بعينه وإنما يكتفون بقتل أي رجل من قبيلته ويسمونه (( الطارف )) ويقولون الطارف غريم ينظّف الوجه ويغسل عنه العار وأحيانا تتعجب من حروب قامت على أسباب تافهة مثل معركة التابوت سنة 1161ﮬ عندما أرسل احد مشايخ آل العمودي تابوتا لضريح عبدالله بن علوي الحداد مجاراة للتابوت الذي على ضريح العيدروس بتريم فاستعرّ الخلاف بين العلويين, لم يرض آل العيدروس ان ينافسهم آل الحداد بتابوت على ضريح جدهم الحداد ووقف آل الشيخ أبي بكر مؤيدين وضع التابوت فتحول هذا الخلاف إلى نزاع عسكري بين يافع حماة آل الشيخ أبي بكر وبين آل كثير حماة آل العيدروس وقتل من قتل فاستنفر آل العيدروس الشنافر فاحتدم الصراع وحرق التابوتين وخلف خلفه ضحايا من اجل تابوت !! ووصلت حدة العصبيات إلى حرب الحارات أيضا, ذكر ابن عبيد الله السقاف ان لأهل تريم تعصب شديد مع أهل الحوف مثل : السحيل – النويدره – الرضيمه ... تصل أحيانا إلى القتل .
وقد وصلت هذه العصبيات في زماننا إلى أبواب المدارس فأصبحنا نسمع الاشتباكات بين طلاب المدارس جمعهم صف واحد ومزقتهم هذه النعرات, يصل أحيانا إلى تدخل رجال الأمن لتفريق هذه النزاعات وهذا شيء يحزن القلب أن توجد بذور العصبيات لدى هؤلاء الجيل الجديد الصاعد المتعلم وسرعان ما تتلقح عند هبوب ريح العصبيات عليها .

ثانيا : تفشي الأعراف القبلية الجائرة:
عندما ضعف الوازع الديني لدى بعض المسلمين انتصرت فيهم نوازع العصبية حتى شهدنا أعرافا قبلية في ظل وجود شريعة ربانية سمحة ,
ومن هذه الأعراف على سبيل المثال :
1) البشعة : وهي حديدة عليها رموز منقوشة أشبه بالطلاسم تحمى بالنار وتوضع على لسان المتهم فان أحرقته أدين وإلا فلا ويعطى ما طالب به .
2) العدالة : والعدالة حكم قبلي على الطرفين المتخاصمين وتضع هذه القبائل ضمان على قبول الحكم وهو حكم جاهلي يحاد شرع الله .
3) دية السلامة : غرامة مالية معينة لمن رفع السلاح على أخيه .
4)الدماء المهدرة : أي دماء المساكين إذا أصيبت من قبيلي تسمى عندهم (( فرث )) وليست لبنا خالصا ولا دما غاليا .
5) حرمان النساء من الإرث : وهذا معروف إلى الآن في بعض قبائل حضرموت زعما أنها قد تكون عند رجل أجنبي ليس من قبيلتهم .
6) التفريخ : وهي عادة قبلية سابقا وانتهت اليوم وهي مضاجعة غير شرعية بهدف إنجاب رجال ذوي شجاعة وبأس تتصف بها قبيلة الرجل المضاجع

ثالثا : القطيعة والهجران:
جاء الإسلام بالأخوة الدينية بين المسلمين وجاءت العصبيات بشر القطيعة بين المجتمع الواحد, حتى وصلت إلى قطيعة الإخوة في بيت واحد لان هذا يتعصب لحزب أو لجماعة معينة والآخر يخالفه وأصبح الهجر أحيانا على أسباب تافهة لا علاقة لها بالدين وإنما لمجرد المصالح والأهواء الشخصية يقول ابن عثيمين –رحمه الله – (( وكل مؤمن وان كان فاسقا فانه يحرم هجره ما لم يكن في الهجر مصلحة فان كان في الهجر مصلحة هجرناه لان الهجر دواء , أما إذا لم يكن في الهجر مصلحة فكان منه زيادة في العتو فان مالا مصلحة فيه تركه مصلحة )) وأصبحت بعض الجماعات اليوم تصلي خلف من تتعصب له, حتى حصل التدابر والقطيعة بين المسلمين وبلغت هذه إلى المساجد وعندما اخطأ الإمام في قراءته ردّ عليه احد المأمومين مصححا فرفض الإمام تصحيح الخطأ لعلمه أن هذا الرجل يخالفه وليس من جماعته, وهذه والله مصيبة عظيمة إذا وصل حال المسلمين إلى هذه الدرجة , ورحم الله القائل :
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم ××× وانتم يا عباد الله إخوان
ألا نفوس أبيات لها همم ××× أما على الحق أنصار وأعوان
وهذا احد المساجد يحتاج عمارة فتقدّم له فاعل خير عن طريق احد المصلين وكان بينه وبين القائم على المسجد شحناء, فهذا من حزب والآخر من حزب اخر فلما علم القائم على المسجد ان هذا المتصدق من طرف فلان خصمه رفض المتصدق والتوسعة ومنع عمارة المسجد, وبهذا تعطّلت مصالح المسلمين العامة عندما دخلتها العصبيات والحزبيات والله المستعان .
رابعا : عقد الولاء والبراء :
يقول الشيخ بكر أبو زيد (( آفة الآفات عقد الولاء والبراء عليها ( أي الحزبية) وهذا المحور الحزبي للولاء والبراء هو عين المشاقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو نظير التحزب الذي محاه الإسلام )) فأصبح المسلم اليوم على أساس العصبية وليس على أساس الدين فيحب أولياء الله ويبغض أعداء الله .
خامسا : انتشار القلق والرعب:
في مناطق الثأر يعيش المسلم في قلق مستمر, مع كل يوم يخرج من داره يخشى على نفسه من رصاصة طائشة تصيبه في مقتل , فالثأر لا يعرف عدوا أو صديقا , وكم رحل أبناء بعض المحافظات من خط النار إلى محافظات بعيدة أكثر أمانا , وبعضهم أحيانا لا يأمن السير في بعض المناطق القبلية خوفا على نفسه إلا أن يكون معه( مسيارا) أو حماية من قبيلة مع أن من أهداف الثورة اليمنية القضاء على النزعة القبلية في اليمن ولكننا إلى الآن نعاني من ويلات هذه النعرات .
سادسا : غياب العدل الاجتماعي :
عندما توجد العصبية في مجتمع ما, فإنها تقلب وتسقط كفة ميزان العدل والمساواة بين أفراد المجتمع الواحد , وهذا ليس بغريب علينا عندما نجد مسؤولاً يتعصب لأبناء قبيلته على حساب الآخرين, وآخر يتعصب لأفراد حزبه ويقدم مصلحتهم على الآخرين .
ففي اليمن مثل إذا أردت أن تفوز بوظيفة مثلا متقدّما على غيرك يقولون لك احصل على إحدى العصبيتين:
1) عصبية قبلية 2) وان عدمت فلا اقلهامن عصبية حزبية تحقق لك بعصاها السحرية ما تريد , وأصبح صاحب الحق المناسب في آخر القائمة, هذا أن لم يرمَ حقه في سلة المحذوفات!!

المبحث الثامن
حضــارم حـاربوا العـصـبـيـة
تحيا المجتمعات بسلام اذا وجد فيها رجال مصلحون مخلصون يهمهم مصلحة مجتمعهم ,فيسهرون ليلهم وينغصّون نهارهم من اجل رعايته, والاهتمام باصلاح شؤونه ومثل هؤلاء الرجال لم تعدمهم حضرموت لكن بعضهم صادف وقتا يسمع فيه للنار وليس للعقل والمنطق وبعضهم ذهبت تحذيراته في الفضاء , وما أجمل قول القائل :
أرى خلل الرماد وميض نار×× ويوشك ان يكون لها ضرام
فإن النار بالعودين تذكى ××× وان الـــحرب اولها الكلام
لئن لم يطفها عقلاء قوم ××× يكـــــون وقودها جثث وهام
وبعض هؤلاء المصلحون ظهرت تحذيراتهم جلية من العصبية في مؤلفاتهم , ولعل من أشهر هؤلاء المعاصرين تحذيرا من العصبية الباحث الاجتماعي: كرامه مبارك بامؤمن في كتابه (( الفكروالمجتمع في حضرموت )) بل لعلها ليس مبالغة ان قلنا ان اكثر هذا الكتاب تحذيرا من العصبيات بجميع اشكالها , وقد شن حربا على بعض المتعصبين مثل : علوي بن طاهر الحداد الذي وصف الوضيع بأردأ أنواع التمر (الحمراء) ووصف السيد بأرقى أنواع التمر( المديني أو المجراف ), ومن الكتّاب الذين حاربوا العصبية المؤرخ المعروف : صلاح البكري في كتابه الرائد ((تأريخ حضرموت السياسي )) الذي صبّ فيه غضبه على المتعجرفين وسماهم (( المتغطرسين )) وكيف أنكر تقديس الناس لهم ظلما !! كذلك ممن حارب العصبية الإرشاديون في حضرموت والمهجر بل أنشأت أساسا للعدل والمساواة الشرعية والإخاء الإسلامي واقامت المدارس في جاوه التي تنكر تقديس القبور والتعلق بالاولياء , وممن انكر العصبية وسلّط قلمه وادبه ساخرا منها الاديب الحضرمي الكبير : علي بن أحمد باكثير , كذلك الباحث الاجتماعي الكبير: محمد عبد القادر بامطرف , ومن شيوخ العلم في دوعن الشيخ : علي بن أحمد باصبرين – رحمه الله – حارب العصبيات والعادات والاعراف القبلية ضمنها كتابه القيم (( المهمات الدينية في بعض المرتكب من المناهي الربانية )) هاجم فيه بشدة أفعال أهل الجاهلية كذلك ممن له جهود مشكور وثناء مذكور الشيح : أحمد محمد السوركتي السوداني وهو صاحب الفتوى بجواز زواج العلوية من غير العلوي وقد زلزل بها عروش العصبية, وحاربه هؤلاء بكل وسيلة فسلمه الله من مؤامراتهم وفشلت مساعيهم :ومن الدعاة المعاصرين الذين حاربوا العصبية الشيخ : علي سالم باوزير – بغيل باوزير- قال في هذا الموضوع (( وكان الواجب على جميع المسلمين أن يكونوا أمة واحدة كما أرادهم الله وخاطبهم بقوله ((إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ{92})) متمسكين بكتاب ربهم مقتدين بسنة نبيهم وسائرين على هدى الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين امتثالا لقوله تعالى )) وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{100}.)). التوبة ايه فوصيتي للجميع ان يكونوا على السنة بفهم سلف الامة وان ينبذوا التحزبات المبنية على تقليد أوتعصب أو هوى أو ولاء للاشخاص وجماعات ومناهج مخالفة للكتاب والسنة .












المبحث التاسع
ساه نموذج العصبية
ساه :هي إحدى مديريات وادي حضرموت , تقع في الجنوب الشرقي من العاصمة سيئون وتبعد عنها حوالي 75 كم , وهي من المديريات التي حباها الله بثروة نفطية حتى لقبت ب(( مديرية النفط )) لكنها مع هذا كله ما زالت مهّمشة منسية حتى لقبها بعض أهلها (( المديرية المجهولة )) , ومع تدفق مياه نهرها الجميل الذي يأسر القلوب بمنظره وبجانبه آلاف النخيل تظلله وترسم منظره في احداقها , تشم من بعيد عفن رائحة العصبية التي تزكم الأنوف, وسعت الى تفكيك المجتمع من الداخل وحوّلت مناطق المديرية الى مناطق مشحونة بالبغضاء, تقاربت بينها المسافة وتباعدت بينها الأخوة والتماسك , سألتُ الكثير من أهلها عن السبب ؟ أجابوني بلسان الشكوى :انها العصبية والعنصرية ,التي مازالت فيها حية الى اليوم , لقد تقدّم يوما أحد المساكين ليصلي بالناس إماما في أحد المساجد فإذا بيد قبلية عنصرية خاطفة تسحبه إلى الخلف وتقول له: مثلك لا يستحق ان يصلي بنا إماما , (انت مسكين او خادم ونحن قبائل)وفي ساه اخبرني احد مدرسيها في مدرسة في إحدى مناطق المديرية تفوّق احد الطلاب ممن يسمون بالاخدام وحصل على الترتيب الأول في صفه متقدما على احد أبناء القبائل فأمر مدير المدرسة أن يقدّم القبيلي- ظلما- في الترتيب على هذا المسكين لأنه لا يحق لخادم ان يتقدّم على قبيلي بالامس أهله خدما لهذه القبيلة !!.
اضف الى هذا الاحتقان القبلي بين أكثر مناطق مديرية ساه مثل : سكدان مع الصيقة ورسب مع الصيقة والبلاد مع الصيقة, وهذا مما يهدد أن تصير هذه مناطق نارفي وقت ما ,أيضا تسلط القبائل على مناطق المساكين : مثل الخامرة – الغيل – الضييعة, واصبح هؤلاء المساكين ومناطقهم تحت قبضة القبائل الحديدية , وعندما حصلت كارثة الطوفان على ساه سنة 2008م تقدم أحد رجال الخير لبناء مشروع سكني واحد لجميع المتضررين فرفض أحد المتعصبين هذه الفكرة متعللا: بعدم جواز سكنى القبيلي مع الخادم والمساكين وعدم مجاورتهما, حقا إنها ساه ما زالت محتفظة ومحتقنة بعصبيتها القبلية الى اليوم ,فشيخ المشائخ لقبائل وادي حضرموت واحدا منها حرصا من ساه وتمسكا منها بالعصبية , وفي الماضي شهدت ساه تعسفا قبليا كغيرها من مناطق حضرموت وربما أحيانا أشد , يكفي مثلا في يد باصحيح التي قطعت ظلما وعلى إثرها قامت حرب , وهذا متعصب اخر طائش أخذ سلاحه ويأخذ عنوة مال المسكين وهو يبكي تحت تهديد السلاح , وذكر أن بعض هؤلاء المتغطرسين يستأجر أجراء في مزرعته ثم ينكرهم حقوقهم وإن ألحوا عليه رفع البندق فيرجعون خائبين في زمن ليس فيه سلطان إلا سلطان القوة والقبلية ,وكثير هي المآسي والقصص التي كتبتُها وعرفتها ولكنني بالرغم من هذا لم أكتب إلا القليل وأعفيت قلمي من بقية المآسي ,داعيا ربي أن ينعم على ساه بحياة هادئة لا تعكّرها العصبيات , ولكن ما لفت انتباهي أنّ كاتبا قبل ما يزيد على خمسين سنة تحدث عن ساه وعن عصبيتها(كأن التاريخ يعيد نفسه) : إنه الباحث صلاح البكري استوقفته ساه مثل ما استوقفتنا فقال رحمه الله (( ... وأكثر القبائل الساكنة فيها (أي ساه ) من آل ... وهم دائما في نزاع والفوضى ضاربة أطنابها في البلاد والأمن مفقود وقد أخذ الأقوياء يرهقون الضعفاء مطالبهم ويتعدّون على حقوقهم ويذيقونهم سوء العذاب, وأخذ بعض الأشرار يحرقون النخل سفاهة وحمقا ويعطّلون الحرث وينهبون ويقتلون كل العزّل من السلاح, يستنجدون ولكن لا منجد ويستغيثون ولا مغيث ينشلهم مما هم فيه من الشقاء وسوء الحال وبقطع دابر الظالمين وفي سنة 1332هـ بعث الأعيان من حمله وغيرهم الى المكلا ورفعوا للسلطان غالب القعيطي شكواهم وطلبوا اليه ان يبسط حمايته على ساه ويقيم فيها واليا من قبله ليزيل ما فيها من المظالم ويصلح شؤون الأهلين فارسل السلطان غالب ( سالم أحمد البكري ) وبصحبته 25 رجلا من يافع ... وأخذ هذا الوالي يصلح ذات البين ويعيد للضعفاء حقوقهم من أيدي الأقوياء ويزيل المظالم ويخمد الفتن ويثبت الأمن ... )) نأمل من الله إصلاح الحال ونرجو من الدعاة وطلبة العلم في ساه محاربة و إماتة هذه العصبيات حتى تنجو ساه من المأساة .












الخاتمة
بعد هذه الجولة المضنية حول هذا المرض الخطر (( العصبية )) وأنه داء اجتماعي شبيه بالسرطان الذي تتآكل معه لحمة المجتمع ويثير فيها النزاعات والانقسامات , وقد كانت العصبية الجاهلية منتشرة عند قبائل العرب في الجاهلية حتى أوصلتهم الى كل سوء وشر, وليس بغريب على مجتمع ظالم يدفن البنت حية تعصبا للذكر ولكن الغريب كيف تبقى هذه العصبيات بأنواعها حية بيننا؟ وقد انعم الله علينا بالإسلام وأرسل لنا خير الأنام محمدا صلى الله عليه وسلم الذي جمع الله به القلوب وأنار بهديه الدروب .
ومن أول يوم طلعت فيه شمس الإسلام وقف الرسول صلى الله عليه وسلم يحارب هذه العصبيات بجميع أشكالها ويدعو للعدل والأخوة وأنه لاشرف لأحد إلا بالتقوى, فانتشر بدعوته السلام والأمان , فحسد إبليس هذه الأمة على اجتماعها فسعى بشرره وجنوده إلى تفريق قلوب الأمة وبذر بذور العصبيات والانقسامات والاختلاف ,فشبت من جديد نار العصبيات والانقسامات, وتعارك المسلمون وتمزق الصف وبدأت مع الأيام تظهر عصبيات جديدة زادت الأمة وهنا على وهن بعضها شر من الآخر , استوردها المسلمون من الشرق وبعضها من الغرب , فبقيت أمة الإسلام حتى اللحظة عاجزة أن تقف على قدميها لتنفض عنها غبار الذل والهوان. وصار المسلم اليوم يفخر بفكره ,والآخر بحسبه ,والثالث بحزبه والرابع بوطنه مع أن وطن الإسلام واحد .
فايما ذكر اسم الله في وطن ××× عددت ذاك الحمى ذاك من صلب أوطان
كلما حاول المسلمون لمَّ الشمل دخلت العصبيات فاتسع بها الخرق على الراقع , وليست العصبية خاصة ببلد دون بلد بل في أكثر بلاد المسلمين ومنها حضرموت التي تستعرُ فيها نار العصبيات واشتدت جذوتها في القبلية والحزبية , أما العصبية القبلية فهي القديمة الحديثة, وأما العصبية الحزبية فهي الدخيلة الجديدة , وهناك أسباب دفعت إلى تعمق هذه العصبيات التي ظهرت من ورائها الكثير من الأضرار والمظاهر السيئة .
ومن هذه الأسباب : بعد المجتمع عن التمسك بمبادئ الإسلام السمحة التي منها الخير والسلام لجميع العالم , ولا ننكر أن هناك جهود للدعاة والمصلحين في حربهم على العصبيات نسأل الله لنا ولهم التوفيق وان يصلح ذات البين ويردنا إلى دينه ردا جميلا .

النتائج
1) إن الإسلام دين أمر بالعدل والأخوة بين المسلمين عربا وعجما فقراء وأغنياء, لا مزية لأحد إلا بالتقوى ولهذا فقد حارب الإسلام جميع العصبيات لأنه دين عظيم شامل لا يعترف بالحدود واللغات فهو يشمل الجميع بخيره .
2) إن بذور العصبية الأولى هي من الشيطان الرجيم, وان عصبيته هي أم لجميع العصبيات و النعرات قديما وحديثا .
3) إن تقسيم مجتمعات المسلمين إلى طبقات متضاربة تقسيم باطل وأن الإسلام بريء من هذا التقسيم فالأصل في الإسلام الاجتماع وليس التفرق .
4) إن العصبيات تشتد نارها إذا ضعف تمسك المجتمع بدينه وأخلاقه التي تحث على الأخوة والمحبة والإيثار بين المسلمين .
5)إن ظهور العصبيات في أي مجتمع مسلم يسبّب الكثير من الأضرار والمشكلات الاجتماعية ,يكفي إن العصبية معول هدم لبنيان الأمة المرصوص .
6) متى دخلت العصبيات بين المجتمعات والقبائل فإنها تحرق الأخضر واليابس ويكون فيها الجميع مهزومون وليس فيها منتصر .
7) إن العصبيات والتحزب من أسباب تخلف الأمة ,وهي سبب في عرقلة توحيد الأمة ولم شملها .

التوصيات والنصائح
1) إن سلامة مجتمعات المسلمين من هذا المرض وجميع الأدواء الأخرى بالالتزام الصحيح بتعاليم الإسلام الربانية .
2) أن يحذر المسلمون من الانزلاق وراء العصبيات فإنها تشحن القلوب بالبغضاء وتكون كالقنبلة الموقوتة تهدد في كل لحظة سلامة المجتمع .
3) أن يحرص السلمون على نبذ مخلفات الجاهلية ونبذ الأفكار النصرانية واليهودية الدخيلة وان يسدوا كل باب يكون سببا للفرقة والعصبيات,وان تتسع القلوب للخلاف والنقد البناء .
4) أن تحرص الحكومات والعلماء والمصلحون على أن يكون لهم موقف ايجابي في حربهم على العصبيات وان يسعون إلى تطهير المجتمع من هذه الشوائب والأدران .
5) ان يكون لوسائل الإعلام والمساجد والمدارس والمراكز الثقافية الدور الايجابي في توعية المجتمع من خطر وأضرار العصبيات .
6) إزالة الحواجز والعوائق التي تعيق تقارب أبناء المجتمع الواحد والقيام بتذليل الصعاب وتقديم قوارب النجاة ومد جسور التعاون والتقارب بين جميع المسلمين دون تمييز.












المراجع
1-العصبية القبلية من المنظور الاسلامي(د.خالد الجريسي)مؤسسة الجريسي الطبعة
الاولى 1427الرياض
2-الفكروالمجتمع في حضرموت(كرامة بن مبارك بأمؤمن)دار التيسير الطبعة الثالثة 1427 صنعاء
3-حكم الانتماء الى الفرق والاحزاب والجماعات الاسلامية(بكر ابوزيد)توزيع مكتبة صنعاء الاثرية الطبعة الثانية 1410هـ
4-التعصب الذميم واثاره(ربيع بن هادي المدخلي)دارالسلف الطبعة الاولى 1416الرياض
5-الاسلام وتفاضل القبائل والشعوب(عبدالعزيز قارة)الطبعة الاولى 1416
6-الاخوة الايمانية(عبدالعزيز قارة)دارالقلم الطبعة الاولى 1414دمشق
7-كتاب التوحيد(د.صالح الفوزان)مكتب الاثير الطبعة الثانية 1414الرياض
8-معجم بلدان حضرموت(عبدالرحمن بن عبيدالله السقاف)مكتبة الارشاد الطبعة الاولى 1423صنعاء
9-ادوار التاريخ الحضرمي(محمد بن احمدالشاطري)دارالمهاجر الطبعة الثالثة 1415المدينة النبوية
10-تاريخ حضرموت السياسي(صلاح البكري)دار الافاق العربية الطبعة الاولى 1421القاهرة
11-الموسوعة الميسرة للاديان والمذاهب والاحزاب المعاصرة-اشراف ومراجعةد.مانع بن حماد الجهني)دارالندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة الرابعة 1420 الرياض
12-تفسير الامام البغوي(للامام البغوي)دار الكتب العلمية الطبعة الاولى 1414 بيروت
13-من تشبه بقوم فهو منهم(ناصر العقل)مطبوعات المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة-الرياض
14-تفسيرسورة الحجرات(ا.د.ناصر العمر)دار الوطن الطبعة الثانية 1414الرياض
15-القول المفيد على كتاب التوحيد(صالح بن محمد العثيمين)الجزء الثاني دار العاصمة الطبعة الاولى 1415 المملكة العربيةالسعودية
16-المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم(اختصار:محمدالبعلي تحقيق علي العمران)دار الفوائد الطبعة الاولى 1422مكة المكرمة
17-الصحوة الاسلامية ظوابط وتوجيهات(محمد العثيمين)دار القاسم الطبعة الثالثة 1416الرياض
18-تذكير الناس بكلام احمد العطاس(جمع:ابوبكر الحبشي)
19-النقد ادبه ودوافعه(حسن بن فلاح القحطاني)مكتبة دار الحميضي الطبعة الاولى 1414 الرياض
20-فتوى جامعة في التنبيه على بعض العادات والاعراف القبلية المخالفة للشرع المطهر(بكر ابوزيد)مطبعة دار طيبة الرياض
21-تهذيب السيرة النبوية(لابن هشام)هذبها:يوسف بديوي –اليمامة للطباعة الطبعة الاولى 1420 دمشق
22-المسجد في الاسلام (خيرالدين وانلي)الطبعة الثالثة 1414 المكتبة الاسلامية الاردن
23-الخطب المنبرية(عبدالعزيز السدحان)دار العاصمة الطبعة الاولى1420 الرياض
24-جامع العلوم والحكم(الحافظ ابن رجب الحنبلي)تحقيق:طارق عوض-دارابن الجوزي الطبعة الثالثة المملكة العربيةالسعودية 1422
25-الدعوة الى الله بين التجمع الحزبي والتعاون الشرعي(علي حسن عبدالحميد)مكتبة دار الصحابة الطبعة الاولى 1412جدة
26-القبورية في اليمن(احمد بن حسن المعلم)مركز الكلمة الطيبة الطبعة الاولى 1424صنعاء
27-لسان العرب(ابن مظور)دار الحديث 1423القاهرة
28-سير اعلام النبلاء(للامام الذهبي)مؤسسة الرسالة الطبعة العاشرة 1414 بيروت
29-القاموس المحيط(مجدالدين محمدالفيروزابادي)دار الجيل بيروت
30-معجم البلدان(ياقوت الحموي)دارصادر الطبعة الثانية 1995 بيروت
31-ظاهرة اثارة النعرات الجاهلية واثرها السيئ على الفرد والمجتمع(قاسم التعزي)
32بدعة التعصب المذهبي(محمدعيد عباسي)المكتبة الاسلامية الطبعة الثانية 1406 الاردن
المجلات
1-مجلة الفكر –العدد32 صفر 1428 غيل باوزير
2-مجلة البيان الاسلامي-العدد5شعبان 1407
3-مجلة البيان الاسلامي-العدد9 ربيع الاول 1408
4-مجلة العربي العدد81 اغسطس 1965م
5-مجلة البيان العدد7 ذو الحجة 1407
6-مجلة البيان العدد1 ذوالحجة 1406























فهرس الموضوعات
المقدمة........................................... ............................... 2
الفصل الاول:مدخل الى العصبية قبل الاسلام............................... 6 .
المبحث الاول:تعريف العصبية ومفهومها..................................... 7
المبحث الثاني:العصبية الجاهلية عند العرب................................... 9
المبحث الثالث:العصبية عند الامم الاخرى..................................... 12
الفصل الثاني:الاسلام والعصبية.......................................... ....... 15
المبحث الاول:موقف الاسلام من العصبية..................................... 16
المبحث الثاني:موقف الصحابة من العصبية.................................... 20 .
المبحث الثالث:موقف العلماء من العصبية....................................... 22
المبحث الرابع:العصبية عند المسلمين.......................................... .. 24
المبحث الخامس:علاج الاسلام للعصبية.......................................... 26
المبحث السادس:شبهات المتعصبين......................................... ...... 28
الفصل الثالث:العصبية في حضرموت:........................................... . 31
المبحث الاول:العصبية وحضرموت........................................... ..... 32
المبحث الثاني:انواع العصبية في حضرموت...................................... 3 3
المبحث الثالث:الطبقات الاجتماعية في حضرموت....................................38
المبحث الرابع:العصبيات وحكومات حضرموت.......................................41
المبحث الخامس:اسباب العصبية........................................... ..............43
المبحث السادس:مظاهر العصبية........................................... .............46..
المبحث السابع::اضرار العصبية........................................... ..............49
المبحث الثامن:حضارم حاربوا العصبية........................................... ......52
المبحث التاسع:ساهـ نموذج العصبية........................................... ...........54
الخاتمة:.......................................... ...........................................56
النتائج:.......................................... .............................................56
التوصيات والنصائح:......................................... ...............................58
المراجع فهرس الموضوعات:........................................ ......................60
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...


Powered by vBulletin® Version 3.8.9, Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

new notificatio by 9adq_ala7sas